حارة العاشقين الليلة العاشرة من الجزء الثاني 2026

الليلة العاشرة من الجزء الثاني 2026
السيارة كانت واقفة في الشارع الجانبي كأنها متواطئة معهما على إخفاء ما لا يجوز أن يُرى، محركها ساكن لكن التوتر داخلها يعمل بكامل طاقته، ويوسف ممسك بالمقود لا لأنه يحتاجه، بل لأن قبضته على شيءٍ مادي أهون من اعترافه بأنه يفقد سيطرته على شيءٍ معنوي يتسرب منه كلما جلست بجواره بهذه العفوية التي لا تتعمد الإغواء لكنها تصنعه دون أن تدري.
لميس تنظر من النافذة إلى بوابة الجامعة، إلى أسراب الطلبة الذين يدخلون بلا تاريخ مشترك يثقل خطاهم، بينما هي تحمل في حقيبتها أوراق التقديم، وتحمل في صدرها اتفاقًا سريًا هو أستاذ المادة، وهي طالبة، ولا أحد يجب أن يعرف أنها ابنة عمه، ولا أن المسافة بينهما ليست مسافة أكاديمية باردة، بل تاريخ عائلي ونظرات مؤجلة ومشاعر لم تُسمَّ بعد.قال بصوتٍ محايد أكثر مما ينبغي: "انزلي إنتِ الأول."
كان صوته منضبطًا، كأنه يشرح قاعدة نحوية، بينما داخله يضجّ برغبة متناقضة؛ يريدها أن تنزل حتى لا يراهما أحد، ويريدها أن تبقى لحظة أطول حتى يؤجل مشهد انفصالهما العلني.
لميس التفتت إليه ببطء، نظرة طويلة، لا متحدية ولا خاضعة، نظرة امرأة تعرف أنها مختلفة عنه في كل شيء تقريبًا؛ أفكارها مفتوحة على أسئلة لا يحبها، ملابسها لا تستأذن أحدًا، ضحكتها أعلى من معاييره، لكنها رغم ذلك أو بسببه تشعر نحوه بانجذاب مربك، انجذاب لا يشبه إعجاب الطالبات بأستاذ وسيم، بل يشبه فضول العقل حين يصطدم بنقيضه. "تمام يا دكتور." قالتها بنبرة خفيفة، لكن كلمة "دكتور" بينهما كانت سيفًا دقيقًا؛ تذكير بالحدود، واستفزازًا رقيقًا في الوقت نفسه.
نزلت من السيارة، وأغلقت الباب، ولم تلتفت، لكنها كانت تشعر بعينيه تتبعان خطوتها، تشعر بقلقه وهو يقيس طول معطفها، وانسياب شعرها، وعدد العيون التي قد تلتفت إليها قبل أن تدخل.
يوسف أغمض عينيه لحظة بعد أن اختفت خلف البوابة، كأنه يعيد ترتيب ملامحه من رجلٍ يعرفها إلى أستاذٍ لا يعرفها.
في مكتب العميد، كانت تقف أمام المكتب الخشبي العريض، تمسك ملفها بإصابع ثابتة ظاهريًا، بينما أفكارها تتدافع: هل سيعاملني كطالبة فعلًا؟ هل سينجح في نزع اسمي من ذاكرته العائلية حين يناديني باللقب؟ وهل أنجح أنا في تجاهل أن صوته الذي يشرح القواعد هو نفسه الصوت الذي كنت أجادله به في أمسيات طويلة عن الحرية والاختلاف؟
دخل يوسف بعد دقائق، خطواته محسوبة، وجهه هادئ، لا شيء فيه يفضح أنه يعرفها أكثر مما ينبغي :"الطالبة قريبتك يا يوسف؟" سؤال العميد جاء عابرًا، لكن يوسف شعر به كاختبار. "بنت عمي."
جملة قصيرة، جافة، بلا التفات. لم ينظر إليها وهو يناولها الأوراق، ولم يسمح لأصابعه أن تلامس أصابعها أكثر من لحظة عابرة، لحظة كانت كافية لتشعل تحت الجلد تيارًا خفيفًا من الوعي المتبادل: نحن نمثل، وعلينا أن نتقن الدور.ناولها كارنيه الجامعة، نظرته مرت على الصورة المطبوعة، ثم عليها، ثم عاد إلى حياده بسرعة مريبة، كأنه يخشى أن تطول النظرة فتفضحه.المدرج واسع، لكنه بدا أضيق حين جلست لميس في آخر الصفوف، وضعت حقيبتها، أخرجت دفترها، ثم توقفت، ليس لأنها لا تعرف ماذا تفعل، بل لأنها فجأة شعرت بأنها تحت مجهر غير مرئي؛ كل حركة منها قد تُقرأ بطريقتين: حركة طالبة، أو حركة امرأة يعرفها أستاذها خارج هذا المكان.جلست بجوارها فتاتان، تعارف سريع، أسئلة معتادة. "اسمك إيه؟"
"لميس." قالتها بهدوء، بينما عقلها نصفه عند الباب ينتظر دخوله فتح الباب الصوت وحده كان كافيًا ليصمت جزء من القاعة، لا لأن الطلبة يخافونه، بل لأن حضوره يفرض نفسه بلا استعراض؛ وقفة مستقيمة، خطوات ثابتة، نظرة لا تبحث عن إعجاب لكنها تجده.همسات الطالبات في الصفوف الأمامية بدأت، كلمات عن وسامته، عن شخصيته الصارمة، عن أنه لا يبتسم كثيرًا، وأن صوته حين يغضب يصبح أعمق.
لميس سمعت كل شيء، وكل كلمة كانت تسقط داخلها كحجر صغير في ماء راكد، تثير دوائر غير معلنة من الغيرة التي لا يحق لها أن تشعر بها، لأنها نظريًا مجرد طالبة.رفعت عينيها نحوه أخيرًا.
يوسف كان يضبط الميكروفون، ثم رفع رأسه، بحث بنظرة واحدة فقط، نظرة سريعة لكنها دقيقة، حتى وجدها في آخر القاعة، شعره ينسدل على كتفيها، معطفها مفتوح، جلستها واثقة أكثر مما يريحه.
توقفت عينه عندها نصف ثانية، نصف ثانية كافية لتفضح داخله، ثم انتقل ببصره إلى بقية القاعة كأن شيئًا لم يحدث.
"صباح الخير." بدأ يشرح، وصوته يحمل ذلك العمق الذي يجعل اللغة تبدو أكبر من الحروف."الغيرة في الأدب العربي لم تكن ضعفًا، بل كانت انعكاسًا لفكرة الامتلاك، للصراع بين الثقة والخوف، بين الحب والرغبة في السيطرة." ..
لميس شعرت أن الكلمات تلتف حولها، كأن المحاضرة ليست عن شاعر قديم، بل عن رجل يقف أمامها الآن، يقاتل بين أن يكون أستاذًا منضبطًا، ورجلًا تضايقه نظرات الآخرين إليها يد امتدت نحوها.
"أنا آسر… أول مرة أشوفك هنا."
التفتت إليه، ابتسامة مهذبة :"لميس."
على المنصة، يوسف لم يتوقف عن الشرح، لكن نبرة صوته انخفضت درجة واحدة، قبضته على الميكروفون اشتدت، عضلات فكه انقبضت دون أن يلحظ أحد، سوى لميس التي تعرف إشاراته الصغيرة كما تعرف أسماء أقاربه.وفجأة قال: "الآنسة اللي في آخر القاعة… اتفضلي في أول بنش." الصمت انشقّ في القاعة.
لميس شعرت بارتعاشة خفيفة في أطراف أصابعها، ليست خوفًا، بل وعيًا حادًا بأن كل الأنظار عليها الآن، وأنه اختارها تحديدًا.
جمعت أغراضها، المعطف انزلق قليلًا، وفي اللحظة ذاتها انطلق صفير منخفض من أحد المقاعد الخلفية، إعجاب فجّ لا يعرف حدودًا.يوسف سمعه، وشيء مظلم مرّ في عينيه، لكنه قال بنبرة متزنة: " المحاضرة مش للتعارف" لم ينظر إلى الفاعل، لكنه كان يعرف أن الرسالة وصلت.جلست لميس في أول بنش، قريبة منه الآن، قريبة إلى درجة تسمح لها أن ترى الخط الخفيف عند طرف عينه حين يضيق، وأن تسمع تغير أنفاسه بين جملة وأخرى.رفع حاجبه بحركة صغيرة، إشارة بالكاد تُرى، لكن معناها واضح.نظرت إلى معطفها المفتوح، ثم إليه.
عيناه قالتا ما لم يقله: أغلقيه.
لم تجادل.أغلقت المعطف ببطء، طاعة لم تفهم مصدرها؛ هي التي تعارضه في الأفكار، تناقشه في كل شيء، تسخر من تحفظه أحيانًا، لكنها أمام تلك النظرة تحديدًا شعرت بأن العناد يذوب، لا قهرًا، بل اختيارًا، كأن جزءًا منها يستمتع بأن يختبر حدوده معها.
يوسف أكمل الشرح، صوته أكثر عمقًا الآن:
"الغيرة حين تُكبت تتحول إلى قسوة… وحين تُعترف تتحول إلى حماية، لكن الفرق بينهما شعرة رفيعة لا يراها إلا من عاش التناقض." نظر إليها لحظة أطول هذه المرة.
ولم تكن متأكدة إن كان يشرح الأدب…
أم يشرح نفسه.
ـ
«اكتبي رقمك هنا.»
قالها باشا وهو يمد يده اليمنى بالهاتف، لم يكن صوته آمرًا بقدر ما كان حادًا، كأن الكلمة خرجت من بين أسنانه لا من بين شفتيه، وكأن في طلب الرقم اعترافًا خفيًا بأنه يريد خيطًا يصل بينهما، خيطًا رفيعًا يكفي لربط مصيرين… أو لخنق أحدهما.
تناولته صدف بيدٍ مرتعشة، ارتعاشة خفيفة بالكاد تُرى، لكنها كانت كافية ليلاحظها، ليشعر بها تسري إليه عبر الهواء، لا عبر اللمس، أصابعها وهي تضغط الأرقام بدت كأنها تكتب أكثر من مجرد رقم، كأنها توقع على شيء لا تفهم تبعاته بعد، شيء يتجاوز المجاملة العابرة إلى مساحة أخطر، مساحة لا تُقاس بالمسافات بل بالنوايا. انتهت.أعادت الهاتف ببطء.وضعتْه على تابلوه السيارة كأنها تضع شيئًا ثقيلًا رغم خفته، ثم قالت باستئذانٍ قصير، صوتها متماسك لكن في أعماقه قلق مكتوم.
توقّف على مقربة من الشارع الخلفي لحارة الجبالي كما طلبت، لا لأنها تخجل، بل لأنها تعرف لسان الحارة، تعرف كيف تتحول نظرة عابرة إلى حكاية، وكيف تصبح الفتاة “علكة في فم الجيران” إن رآها أحد تنزل من سيارة رجل لا ينتمي لخرائطهم اليومية.
فتحت الباب.نزلت.أغلقت الباب بهدوء محسوب، كأنها تخشى أن يفضح الصوت ما تحاول إخفاءه.مشت خطوة ثم أخرى واضعة كفيها داخل جيوب معطفها، تحمل حقيبتها خلف ظهرها كدرعٍ صغير، ليس درعًا من مطر أو برد، بل من احتمالات، من عيون، من ظنون.
كان يمسك بالمقود لكنه لم يتحرك.راقبها.طريقة مشيها كانت رسمية زيادة عن اللزوم، مستقيمة، محسوبة، لا تلتفت، لا تتعثر، لا تلوّح بيدها، كأنها تقول للعالم كله: أنا أعرف أين أذهب، حتى لو كانت لا تعرف.لم ينكر ولو بينه وبين نفسه أنها مميزة.ليست صارخة الجمال، ولا متكلفة الأناقة، لكنها بسيطة بطريقة تُربك، هادئة بطريقة تُثير فضولًا عنيفًا، كأنها لا تحاول أن تكون مختلفة… لكنها كذلك.
تنهد بضيق شديد، ضيق خرج من صدره لا من رئتيه، ضيق رجل يعرف أنه يسير نحو فعلٍ لن يغفره لنفسه.سيدمّرها.سيكسر قلبها.سينتقم. بطريقة ممارسة الألعاب النفسية حتي تيأس منه قالها داخله كجمل تقريرية باردة، لكنه شعر بطعمها المرّ، شعر أن الكلمات لا تشبهه كما يظن، وأن الانتقام الذي ظل يتخيله شفاءً لنزيف قديم، ليس إلا سكينًا أخرى في يد ترتعش.لم يكن يعلم أو كان يعلم ويرفض الاعتراف أن الانتقام لا يجلب السلام، بل يزرع أول مسمار في نعش قلب صاحبه، وأن كل خطوة نحو أذيتها هي خطوة نحو هاويته.دمعت عيناه فجأة، دمعة سريعة، لم يسمح لها أن تسقط، مسحها بإبهامه بعصبية، كأنها خيانة لصلابته، لكنه لم يستطع منع الصورة التي هاجمته: وجه شقيقه، الدم الذي لم يبرد في ذاكرته، الرصاصة التي لا تزال تصرخ في أذنيه كلما أغمض عينيه.كلما تذكر الدم، تصلّب.كلما تذكر عيني صدف وهي تكتب رقمها بثقةٍ مرتبكة، لان.عقله مشوش، يتأرجح بين صوتين؛صوت يقول: لا تنسَ، الدم لا يُنسى، والقصاص حق.وصوت آخر، أكثر هدوءًا، أكثر خطورة، يهمس: وماذا لو كان قلبك هو الثمن؟أراد أن ينساها قبل أن تبدأ، أن يقطع الخيط الذي مدّه بنفسه، أن يبدأ من جديد بلا ماضٍ، بلا دم، بلا رغبة في تحطيم كل شيء جميل لمجرد أنه لم ينجح في حماية ما كان يملكه.
لكن صورتها وهي تبتعد، معطفها يهتز بخفة مع خطواتها، حقيبتها خلف ظهرها كأنها تحمل عالمها وحدها، لم تغادر عينيه.
ضغط على المقود حتى برزت عروقه.
الانتقام بدا فجأة أقل نقاءً مما تخيله، أقل عدلًا، وأكثر أنانية.أدار المحرك أخيرًا، والسيارة تحركت ببطء، بينما داخله لا يتحرك نحو قرار، بل يغرق في صراعٍ لا غالب فيه؛بين رجلٍ يريد أن يثأر لدمٍ لم يبرد،ورجلٍ آخر، خفيّ، بدأ يخاف أن يكون أوّل من سيدفع الثمن… قلبه هو.
ـ
لم تكن الحاجة فاطمة، حين دفعت بالمال إلى كفّ جيهان، تفعل فعل الإحسان وحده، بل كانت تؤدي طقسًا قديمًا من طقوس السيادة الحنون، ذلك الذي يجعل العطاء امتدادًا للكرامة لا انتقاصًا منها؛ غير أنّ كارين، وقد اشتدّ بها الحزن حتى صار كبرياءً حادّ الحواف، تقدّمت بخطوةٍ تكاد تشقّ بها بساط الغرفة، وقالت بصوتٍ يرتجف تحت صرامته: "مش عايزة حاجة من فلوس صخر" كان الاسم، حين خرج من فمها، كحدِّ سيفٍ لامعٍ في ضوءٍ خافت.
رفعت الحاجة فاطمة رأسها ببطءٍ مهيب، ونظرت إليها نظرة من جُرِح في موضع الشرف لا في موضع الجيب، وقالت بلهجةٍ يغلّفها الأسى أكثر مما يحرّكها الغضب:
"مش فلوس صخر دي فلوسي أنا هينفع تاخدها و لا هتكسفيني" سقط السؤال بينهنّ كحجرٍ في بئرٍ عميقة، وامتدّ صداه في الصمت.
كانت جيهان واقفةً بين الكرامتين، كأنها بين مرآتين متقابلتين لا تدري إلى أيّهما تنتمي؛ رأت في عين كارين نارَ رفضٍ لا يخلو من وفاءٍ لذكرى زوجٍ رحل، ورأت في عين الحاجة فاطمة رجاءً قديمًا في ألا تُحسب مودّتها دَينًا ولا تُتَّهم حنانتها بتواطؤ.
مدّت جيهان يدها أخيرًا، لا لتختار، بل لتُنهي.أخذت المال في حركةٍ سريعةٍ كمن يختطف شيئًا من عاصفة، والتقطت علبة الدواء، ثم انصرفت قبل أن تُستدرج إلى مزيدٍ من الكلمات.خرجت إلى الممرّ، وأغلقت الباب خلفها برفقٍ مضطرب، ثم اندفعت إلى الدرج، تنزل درجاته الأولى كمن يفرّ من محكمةٍ لم يصدر فيها حكمٌ بعد. كان صدى خطاها يتردّد في البناية القديمة، متقطّعًا، متعجّلًا، وكأنّ كل درجةٍ تُسائلها: أتهربين من الحوجة أم من الكبرياء؟ من الحاجة أم من الذكرى؟ سبع ليالٍ انقضت منذ وقفت آخر مرةٍ في شرفة غرفتها، تتظاهر بأنها تستقبل الهواء، بينما كانت، في الحقيقة، تستقبل نظرةً بعينين لا تُخطئان، نظرة جارٍ لم يمدّ يده قط، غير أنّ حضوره وحده كان كافيًا ليوقظ في صدرها ما حسبته مات يوم وُوري خطيبها التراب.سبع ليالٍ جلَدت فيها نفسها بسياط الضمير، تُسمّي الإعجاب خيانةً، وتسمّي الخفقة ضعفًا، وتُقنع قلبها بأن الوفاء لا يقبل الشراكة، وأن صورة الراحل ينبغي أن تظلّ كاملةً، غير منقوصةٍ بظلّ رجلٍ آخر.كانت في الدرجة الأولى من السلم حين التقت به.
أرغد صاعدٌ عائدٌ من عمله، يحمل على كتفيه تعب النهار، وهي هابطةٌ بدواءٍ لوالدتها، تحمل في صدرها اضطراب سبع ليالٍ كاملة.توقّف الزمن في تلك المسافة الضيقة بين الدرجة الأولى والباب الحديدي، وتبادل الهواء بينهما مهمّتهما في الصمت.
قال، بعد لحظةٍ بدت أطول من أعوامٍ مضت: "صباح الخير… يا آنسة جيهان."
ارتجفت في أذنها نبرة صوته؛ لم تكن مرتفعة، بل كانت واطئةً إلى حدّ أنّها شعرت بها أقرب إلى همسٍ لا يريد أن يُدان.
أجابت بصوتٍ خفيضٍ حاولت أن تجعله عاديًا، فخانها: "صباح الخير." همّت أن تتجاوز، فخطا خطوةً واحدةً فقط، غير أنها كانت كافيةً لتضيق المسافة حتى غدت الحائط خلفها أقرب مما ينبغي، وغدا هو أمامها أقرب مما تسمح به الأعراف الصارمة لم يلمسها.لم يكن من ذلك الرجل الذي يتعجّل الجسور.غير أنّ جسده، وقد اتكأ على الحائط بذراعٍ واحدة، كان كإطارٍ يحاصرها دون أن يُغلق عليها بابًا.مدّ يده إلى الباب وأغلقه خلفهما، فانطفأ ضوء الشارع، وبقي ضوء البناية الأصفر الخافت ينساب على وجهها فيُظهر ارتعاشةً حاولت عبثًا أن تخفيها :" اختفيت سبع ليالٍ"  قالها بهدوءٍ لا يخلو من عتابٍ مهذّب، لم تقفي في الشرفة أكان غيابي هو السبب، أم حضوركِ؟رفعت عينيها إليه لحظةً، ثم أسرعت تخفضهما كأنها اقترفت ذنبًا.
كانت صورة خطيبها الراحل، بوجهه الهادئ وابتسامته الواثقة، تمرّ أمامها كموكب عزاءٍ لا ينتهي. شعرت أن مجرّد الوقوف هكذا، في هذا القرب، هو نقضٌ لعهدٍ لم يُكتب بالحبر، بل كُتب بالدموع.قالت، بصوتٍ متقطّعٍ كأنها تنتزع الكلمات من حنجرتها:
"كنت مشغولة" ابتسم ابتسامةً خفيفةً لا سخرية فيها ولا اتهام، بل معرفة أأنشغلتِ عني إلى هذا الحدّ الذي يجعل الليل يخلو من حضوركِ؟ "مشغولة في أيه" كان قلبها يخفق، لا خفقان الفزع، بل خفقان الاعتراف المؤجَّل.شعرت بأن عقلها يذكّرها بما يجب، وقلبها يذكّرها بما تريد، وجسدها في حيائه المرتبك ينصت إلى صوته أكثر مما ينصت إلى وصايا الموتى.همست، كأنها تخاطب نفسها لا هو: " عيلتي هتخرج أمتي من الحجز" اقترب قليلًا، لا اقتراب افتراس، بل اقتراب سؤالٍ لا يجد جوابًا إلا في العيون.
"لو حصل صلح هيخرجوا الليلة" حول بصره نحو علبة الدواء، وضغطت عليها حتى كادت تُسحق، كأنها تتشبّث بشيءٍ واقعيّ يخلّصها من هذا المأزق الشفيف بين الحياة والذكرى.كانت تدرك، في تلك اللحظة البطيئة الثقيلة، أنّ الوفاء للراحل لا يقتضي إعدام الأحياء، وأن القلب، وإن ارتدى السواد، يبقى قلبًا ينبض؛ غير أنّ الاعتراف بذلك كان أصعب من احتمال الصمت.
رفعت رأسها أخيرًا، ونظرت إليه نظرةً قصيرةً خاطفةً، ثم انزلقت من جواره بخطوةٍ متعجّلة، وقالت في لهجةٍ أقرب إلى الرجاء منها إلى الرفض: "هشتري الدواء لماما" ترك لها الطريق، غير أنّ نظرته بقيت تتبعها حتى فتحت الباب إلى الشارع، وحين عبرت العتبة شعرت كأنها خرجت من فصلٍ لم يُغلق بعد، فصلٍ تتنازع فيه الذاكرة والنبض، العهد والرغبة، الصمت والاعتراف.
وفي صدرها سؤالٌ لم تجرؤ على صياغته:
هل الخيانة أن نحبّ بعد الموت، أم أن ندفن قلوبنا حيّةً؟!
ـ
نهاية الليلة العاشرة