حارة العاشقين الليلة الخامسة من الجزء الثاني 2026
لم تكن كارين تجلس أمام المرآة بل كانت تقف أمام ذاتها كما تقف المتهمة أمام قاضٍ لا يلين الغرفة هادئة إلى حدٍ مؤلم،والضوء المنسدل من النافذة يستقر على وجهها ببطء، كأنه يفضح ما تحاول إخفاءه عيناها متورمتان،لا من بكاءٍ صريح،بل من سهرٍ طويل مع أفكارٍ لا تنام.ملامحها مشدودة، دقيقة،حادة كخيطٍ رفيعٍ أوشك أن ينقطع لو لمسته نسمة واحدة رفعت كفيها ببطء،وكأن رفعهما يحتاج إلى جهد،وضغطت بهما على وجهها لم تمسحه بل احتوته،كمن يحاول جمع نفسه المتناثرة داخل كفين مرتجفتين.
كان صدرها يعلو ويهبط ببطء غير منتظم، كأن الهواء صار ثقيلاً،لا يُستنشق بسهولة.
وفي عمقها،فكرة واحدة تدور ببطءٍ مرهق… ثم تعود ثم تدور من جديد الحقد دواء
الحقد خلاص الحقد هو الطريق الوحيد كي تنجو منه لكن قلبها،بعنادٍ صامت،كان يرفض.
مرّ اسمه في عقلها "صخر" فقط الإسم
لا صورة،لا صوت مجرد الإسم وفجأة،اشتعلت وجنتاها بحمرةٍ صامتة،كأن حرارة خفية صعدت من أعماق صدرها واستقرت في وجهها دون إذن أغمضت عينيها لحظة،كمن أُمسك متلبسًا بشعورٍ لا يريده ثم همست،بصوتٍ واهنٍ لا يشبه صلابتها التي يعرفها الجميع:«صخر قالي لو رفعت قضية تمكين شقة الزوجية هيخلي الحاج صالح يرفع قضية الوصاية.»خرجت الكلمات متقطعة،وكأن كل كلمة تُنتزع من داخلها انتزاعًا لم تكن الجملة تهديدًا قانونيًا فحسب بل كانت محمّلة بتلك النبرة الهادئة الواثقة التي قالها بها النبرة التي لا تصرخ لكنها تُربك النبرة التي لا تهاجم لكنها تُحاصر رفعت صافي حاجبيها تدريجيًا،دهشةً تتشكل على وجهها على مهل،كدوائر ماء تتسع بعد سقوط حجر:«سليم قال نفس الكلام.»
ساد صمت صمت قصير في الزمن طويل داخل صدر كارين تحركت ببطء شديد وجلست على حافة السرير،وكأن جسدها أثقل مما ينبغي أمامها المرآة انعكاسها ثابت
لكنها لم ترَ نفسها رأت امرأة يتغير لون وجهها كلما فكرت في رجلٍ تحاول أن تكرهه ولا تنجح عيناها لامعتان باضطرابٍ خافت، وشفتيها منطبقتان كأنهما تحبسان اعترافًا خطيرًا تحدثت أخيرًا،ببطءٍ مدروس،كما لو أنها ترتب خطة حربٍ لا علاقة لها بالمشاعر:
«إحنا هنعاملهم نفس المعاملة.»تجمدت ملامح صافي لم تتحرك فورًا اتسعت عيناها تدريجيًا،ثم مالت رأسها قليلًا،كأنها تحاول الإمساك بخيط المعنى:«قصدك إيه؟»أمالت كارين رأسها نحو المرآة نظرت إلى انعكاسها طويلًا طويلًا أكثر مما يلزم نظرة امرأة تعترف لنفسها بشيء،وتنكره أمام العالم في اللحظة ذاتهاثم قالت،ببرودٍ مصطنع استغرق منها جهدًا واضحًا:«أنتِ هتروحي مع سليم شقتكم من غير قضايا.»انفرجت شفتا صافي ببطء،القلق يتسلل إلى ملامحها خطوة خطوة:«بعد كل اللي حصل بينا؟»عندها فقط التفتت كارين إليها التفاتة مفاجئة لكنها بطيئة في جوهرها، كأنها اتخذت القرار قبل ثوانٍ طويلة داخل عقلها اقتربت منها،وجلست بجوارها والمسافة بينهما تقلصت حتى صار دفء أنفاسهما متقاربًا كان صوتها حين تكلمت صلبًا صلبًا أكثر مما تشعر به:«و هتنقي عفش البيت كله على ذوقك عايزاكِ تشتري أغلى حاجة.»قم رفعت ذقنها قليلًا كبرياء ظاهر يخفي ارتباكًا داخليًا متصاعدًا ثم أضافت،بنبرة غليظة كأنها تفرض قانونًا لا رأيًا:«عايزاك يبقي عندك كرامة تمنعي نفسك عنه هو عايز ياخدك بالمحكمة مقابل الوصاية على كريم؟.»لعقت صافي شفتيها من التوتر،ثم أومأت برأسها:«عندك حق فاكرني هموت عليه؟»مدّت كارين يدها ترددت لحظة في الهواء ثم استقرت على كتف ابنتها كانت اللمسة أدفأ بكثير من الكلمات دفء أم تخفي خوفها تحت قشرة صلابة قالت بحدةٍ متعمدة:«هننزل أنا وأنتِ نختار العفش و هقول لعمك يعملك فرحك أنا عايزاكِ تعامليهم ببرود»وقفت صافي بهدوء،وأدخلت كفيها في جيوب روب البيجامة،ثم ظلت تحدق في وجه والدتها لحظات أطول من المعتاد.نظرة فاحصة،قلقة،صامتة ثم سألت بهدوء صادق:«أنتِ عينيك وارمة ليه؟»
تجمدت كارين.للحظة قصيرة لكنها بدت داخلها طويلة للغايةارتجف صوتها عندما أجابت،واختارت الكذب كما يختار الغريق أول خشبة تطفو أمامه:«من اللي بيحصل فينا من جوزك»توقفت اسم آخر حاول أن يصعد حبسته لكن التوتر سبقها وأضافت، بسرعة خافتة:«وعمك اللي بيعاملنا شبه العرايس يحركنا زي ما هو عايز.»لم تفهم صافي لم ترَ تلك اللمعة المرتبكة في عيني أمها عند ذكره لم تلاحظ كيف شدّ اسم “عمك” أنفاسها شدًّا خفيًا اكتفت بالصمت
ثم خرجت وأغلقت الباب بهدوء خلفها
صوت انغلاق الباب كان خافتًا لكن أثره داخل كارين كان مدويًا في اللحظة التي اختفى فيها حضور ابنتها،انهار جسدها ببطء، لا دفعة واحدة انحنت نحو الوسادة،ثم غرست وجهها فيها،تقضمها بأسنانها كأنها تعاقب قلبًا لا يطيعها ضغطت عليها بقوة،تحاول كتم دقاتٍ عالية تضرب صدرها بإلحاح مؤلم.
جسدها يتمرد عقلها يرفض وقلبها يخونها بهدوءٍ ثابت«لازم أخرج من البيت»همست داخل الوسادة«هو ده الحل الوحيد»لكن الاسم الذي يطرق عقلها لم يكن يحمل كراهية
كان يحمل ارتباكًا دافئًا خطيرًا ومخجلًا
كيف لرجلٍ يفترض أنها تعاديه أن يسكن تفكيرها بهذه الكثافة؟كيف لصوته أن يلاحق صمتها؟ولحضوره أن يربك هدوءها؟ولنظراته الهادئة،التي لا تعرف بشيء أن تهزها أكثر من أي اعتراف صريح؟وفجأة انطلق صوته من الممر لم تتحرك فورًا بل تصلب جسدها أولًا
ثم رفعت رأسها ببطء شديد،كأن أذنيها تسبق قلبها نحو الصوت في الممر المؤدي لغرفتها، كان صخر يجلس على الكرسي المقابل لطاولة الطعام.منحنيًا قليلًا كتفاه ثابتتان
يده تتحرك على الورق بخطٍ منتظم،هادئ، واثق صوته العميق انساب في المكان دون ارتفاع:«هسافر الفجر أشتري البضاعة
لو عرفت أرجع هاجي بليل قبل صلاة العشاء ولو معرفتش هفضل هناك.»ارتجفت أنفاسها دون أن تقصد ارتجافة صغيرة لكنها صادقة
رفعت رأسها أكثر قليلًا،وهمست لنفسها بصوتٍ بالكاد وُلد:«مسافر يومين؟»
لم تكن الجملة سؤالًا كانت شعورًا بالفقد المبكر وكأن غيابه لا يريحها كما يجب
بل يكشف فراغًا كانت تخفيه عن نفسها
جاء صوت سليم باستغراب:«وتسافر ليه؟ ما أي حد يسافر من العمال.»توقفت يد صخر عن الكتابة لحظة لحظة قصيرة جدًا ثم عادت تتحرك بثبات وأجاب بهدوءٍ حاسم،بلا انفعال:«مينفعش لازم حد يشرف عليهم ما تيجي معايا.»ذلك الهدوء تلك الثقة التي لا تحتاج إلى إثبات ذلك الرجل الذي يفرض حضوره دون أن يرفع صوته أغمضت كارين عينيها ببطء،كأنها تحاول عزل نفسها عن الصوت وعن أثره كانت خطتها واضحة في عقلها أن تبني جدارًا من البرود والكبرياء والعداء جدارًا سميكًا يكفي لقتله داخل قلبها
لكن الحقيقة التي كانت تتشكل داخليًا،بهدوءٍ مخيف،أبطأ من الإنكار وأقوى منه كلما فكرت أن تستفزه كي تكرهه انزلقت أعمق في الشعور به وكلما ابتعد خطوة اقترب صوته من قلبها أكثر وكلما أقنعت نفسها أنها تحاربه اكتشفت،في صمتٍ مرير،أن قلبها قد اختار جانبه منذ وقتٍ لا تعترف به ..
-
كانت صدف جالسة على رصيف البحر لا بطريقة المنتظرين المعتادة،بل بطريقة من اعتاد الانتظار حتى صار جزءًا من طبيعته
الرصيف كان مبتلًا،والهواء المالح يمرّ ببطءٍ ثقيل،يلامس أطراف معطفها كأن البحر نفسه يحاول أن يسألها:إلى متى؟لم تكن تنظر إلى الطريق ولا إلى السيارات ولا حتى إلى الناس القلائل الذين يسرعون هربًا من المطر كانت تنظر إلى الماء الموج لم يكن هائجًا بل هادئًا على نحوٍ مريب،كأنه يخفي عمقًا لا يُرى،يشبه تمامًا تلك السكينة التي تفرضها على وجهها كل صباح وضعت كفيها داخل جيوب معطفها،لا من البرد فقط،بل من فراغٍ داخلي لا تعرف كيف تملؤه ثم تمتمت، بصوتٍ خافتٍ كأنها تخاطب نفسها لا العالم:«عدي ميعاد المدرسة زي ما كل حاجة بتعدي.»لم تكن تقصد الحصة الأولى ولا الطابور الصباحي كانت تقصد عمرها الثلاثون لم تأتِ فجأة،
بل تسللت إليها عامًا بعد عام،كظلٍ طويل لا يُرى إلا حين يطول الوقوف في المكان نفسه
مرّت سيارة مسرعة،فتناثر رذاذ الماء قرب قدميها لم تتحرك لم تتذمر فقط رمشت ببطء،كأن ردود الأفعال نفسها أصبحت رفاهية على الجانب الآخر من الطريق
كانت سيارة سوداء تقف في صمت داخلها،كان باشا يراقب لم يكن يحدّق بوقاحة،بل يراقب ذلك السكون الغريب الذي يحيط بها،سكون امرأة لا تنتظر شخصًا بعينه،بل تنتظر مخرجًا من حياةٍ بأكملها.
شيءٌ غير مألوف تحرّك داخله ليس شفقة
وليس فضولًا بل شعور أثقل وأبطأ وأخطر
هو من طلبها لنجله هي التي قبلت دون اعتراض صفقة اجتماعية نظيفة،بلا عاطفة، بلا تعقيد أو هكذا ظن كأن الحديث كان عن قرار إداري لا عن مصير امرأة تجلس الآن على رصيف البحر،تنتظر مواصلة عامة تحت المطر رفع عينيه من الهاتف إليها مجددًا
في تلك اللحظة بالذات،هبط المطر لم يبدأ خفيفًا بل اندفع دفعة واحدة،غزيرًا، كثيفًا، كأن السماء قررت فجأة أن تتدخل في المشهد رفعت صدف حقيبتها فوق رأسها بحركة عفوية،ونهضت من على الرصيف ببطء،وكأن جسدها أثقل مما يبدو نظرت إلى الجهة اليسرى من الطريق،تراقب السيارات، تنتظر فجوة صغيرة تعبر منها،لا استعجال في خطواتها،ولا خوف ظاهر فقط حذرٌ هادئ يشبه طباعها عبرت المطر كان يطمس الرؤية،والشارع يلمع كمرآةٍ مكسورة تحت الضوء الباهت تحركت خطواتها دون أن تعلم أن هناك من يتبعها ببطء السيارة السوداء انطلقت خلفها،لا بسرعة المطاردة،بل بسرعة التردد كأن صاحبها لم يحسم قراره بعد
كانت تمشي،والمطر يبلل شعرها،والمعطف يثقل فوق كتفيها،ومع ذلك لم تسرع
كأنها اعتادت أن تبتل وحدها ضغط على
بوق السيارة آله التنبيه الصوت شقّ ضجيج المطر فجأة توقفت التفتت برأسها يسارًا ببطء،لا بذعر،بل بارتباكٍ خافت المطر جعل الرؤية شبه منعدمة،والضباب رسم ملامح السيارة كظلٍ غامض،لكن قلبها سبق عينيها إليه مسحت وجهها بكفها اليمنى،تزيح قطرات الماء عن عينيها،بينما القلق يتسلل إلى صدرها دون سببٍ واضح توقفت السيارة بمحاذاتها وللحظة قصيرة لم يحدث شيء
ثم انحنى بجسده قليلًا،كأن الحركة خرجت منه لا إرادياً وفتح باب السيارة بهدوء،وصوت المطر يملأ الفراغ بينهما.
قال بهدوءٍ مختصر:«اركبي.»توقفت الكلمات بينهما داخل السيارة كأن المطر في الخارج قرر أن يستمع كان صوت المسّاحات يمرّ ببطء فوق الزجاج،يمحو قطرات المطر ثم تعود،ثم يمحوها من جديد، وكأن الزمن نفسه يعيد اللحظة ليمنحها ثِقلها الكامل التفتت صدف نحوه أخيرًا لم يكن التفاتًا حادًا بل بطيئًا،مترددًا،كأن رقبتها تحمل عبء جملة تعرف أنها ستُغيّر كل شيء قالت بصوتٍ خافت،لكنه ثابت:«عايز مني ايه»لم تكن جملة عادية كانت كحجرٍ أُلقي في بحيرةٍ ساكنة تجمّد لم يتحرك لم يرد فورًا
حتى أن أصابعه فوق المقود انشدّت قليلًا، وكأن الجملة أصابته في موضعٍ لم يكن مستعدًا له صدمة ليست صاخبة بل صدمة رجل اعتاد السيطرة،فإذا بالقدر يسبقه بخطوة هو الذي طلبها لنجله بهدوءٍ محسوب
بعقلٍ بارد والآن الزواج يُنسب إليه هو ابتلع أنفاسه ببطء،بينما هي كانت تراقبه بطرف عينها،لا تحدق مباشرة،كأنها تهابه دون أن تعترف أي امرأة،من الوهلة الأولى،حين ترى هذا الرجل تلاحظ الصمت الذي يحيط به قبل حضوره،والهيبة التي تسبقه قبل كلماته،
وتلك النظرة الثاقبة التي لا ترتفع لكنها تُربك
قالت،بنبرةٍ هادئة تخفي ارتباكًا عميقًا:
«مردتيش عليا»بل سؤالًا خرج من منطقةٍ بين الكرامة والحذر تحجّرت الدموع في عينيه للحظة،لا دموع ظاهرة بل ذلك اللمعان الخفي الذي لا يظهر إلا حين يصطدم الرجل بحقيقة لم يخطط لها أجاب بعد صمتٍ قصير، بصوتٍ منخفض:«باشا مش عايز يتجوز عايش في الماضي وأنا أديت أخوك كلمة يعني هنكتب كتابنا أنا وأنت»جملة مقتضبة
لكنها حملت ثقلًا أكبر مما قيل نظرت إليه طويلًا ببرودٍ مقصود كأنها تضع بينهما مسافة تحمي قلبها قبل أن تحمي كرامتها ثم هتفت،بلامبالاة مصطنعة،وهي تنظر إلى المطر عبر الزجاج:«بما أنك قررت من غير ما تسألني أنا وأنت هنعمل إتفاقية جواز من غير ما حد يعرف»التفت برأسه نحوها ببطء
الدهشة لم تكن في الجملة بل في نبرتها الهادئة كأنها تفاوض على عقدٍ لا على زواج
«اتفاقية جواز؟»أجابت دون أن تلتفت إليه هذه المرة،وعيناها ثابتتان على الشارع المبتل:«جوازنا علشان أسباب أخويا قتل أخوك، وأنا وأنت مغصوبين»ثم أضافت بعد لحظة صمت قصيرة،وكأنها تنزع قلبها من المعادلة: «فخلينا نعمل اتفاقية جواز أنا عايزة طفل ومش عايزة منك أي حاجة تطلقني،تسيبني مش فارق معايا»
سكون ثقيـل ممتد يشبه لحظة ما قبل العاصفة شدّ فكه قليلًا،لكن صوته خرج هادئًا على نحوٍ مخادع،يخفي بركانًا كاملًا:
«وأنا بقى اللي هموت عليك؟»رفعت عينيها نحوه فجأة اتسعت مقلتاها بدهشة صريحة:«أنت قصدك إيه؟»أومأ برأسه ببطء،لا يجيب مباشرة،ثم نظر إلى الزجاج المبتل وقال كمن يغيّر مسار الحديث قبل أن ينفجر:« الجو برد خلينا نشرب حاجة ونكمل كلامنا»رمشت باهدابها كأنها تعود إلى الواقع
«هنشرب حاجة فين؟»ابتسم ابتسامة خطيرة لكنها لم تصل إلى عينيه:«في البن البرازيلي»عقدت حاجبيها،وقد لامست الكلمة وترًا داخليًا: «بقالي كتير أوي مدخلتش»
تحرك بالسيارة ببطء رجل يفكر في كل كلمة قيلت قبل دقائق توقفت السيارة أمام الباب الرئيسي قال بهدوء:« انزلي.»فتحت الباب.وفي اللحظة نفسها فتح هو بابه أُغلقت الأبواب خلفهما بصوتٍ متزامن،كأن القدر يضع نقطة انتقال واضحة بين الخارج والداخل المطر كان أخف هنا،والهواء محمّل برائحة البحر والقهوة القديمة.تلاقت نظراتهما للحظة لحظة قصيرة لكنها كانت كافية ليشعر كلٌ منهما بارتباك الآخر قطرات الماء تتساقط من شعرها الأسود الملتصق بجبينها،ومن لحيته القصيرة التي بدت أكثر كثافة تحت الضوء الخافت للمصباح الخارجي للمحل دفع الباب ببطء،يده اليمني على المقبض النحاسي البارد،واليسري ممدودة قليلاً خلفه كأنه يحرس طريقها دون أن يلمسها.دخلت أولاً،خطواتها خفيفة على البلاط السلطاني القديم،صوت كعب حذائها يتردد كإيقاع بطيء في الصمت الداخلي تبعها، أغلق الباب بهدوء مفرط،كأن أي صوت عالٍ سيُفسد شيئاً هشاً بدأ للتو يتشكل
في الركن جلسا مقابل بعضهما على طاولة مستديرة تفصل بينهما،لكنها بدت أحيانًا كحاجزٍ نفسي أكثر من كونها قطعة أثاث
تحت لوحة زيتية قديمة تصور شوارع الإسكندرية في الثلاثينيات.الطاولة بينهما ليست مجرد خشب إنها حاجز،وفي الوقت ذاته جسرٌ غير مرئي،جاء النادل بهدوء،وضع كأسين من الماء،منديلين أبيضين،ومنفضة
من الزجاج الثقيل ثم توقف،ينتظر
رفع باشا عينيه إليها أولاً.كانت ترتجف ليس فقط من البرد.رأى الكتفين المشدودتين تحت المعطف المبلل،الشفتين المطبوبتين قليلاً من عضها عليهما «ممكن تقفل التكييف؟»
طأطأت صدف رأسها بخجلٍ صامت،وخلعت معطفها المبلل ببطء،ثم علقته على مسند الكرسي في اللحظة نفسها خلع معطفه هو الآخر لكنه لم يضعه جانبه مد يده بهدوء نحوها:«البسي واقفلي.»ترددت لحظة.
ثم أخذته وما إن ارتدته،حتى سرت قشعريرة في جسدها بالكامل، ليس من البرد فقط
بل من دفء المعطف الذي يحمل رائحته.
لم يعلّق لم ينظر مباشرة فقط قال للنادل:
« أنا هشرب بن محوج مظبوط.»
ثم التفت إليها،وهو يخرج علبة السجائر من جيب المعطف الذي ترتديه:« تشربي إيه يا صدف؟»لعقت شفتيها بخفوت، مرتبكة من ردود أفعاله أكثر من وجوده:«قهوة خضراء من غير سكر.»لم ينظر للنادل إلا بعد لحظة:
«واحد قهوة بن محوج مظبوط و واحد سحلب كبير سكر وسط»ما إن غادر النادل،حتى التفتت صدف نحوه فجأة، ووجهها يحمل انفعالًا مكبوتًا:«لما أنت طلبت لي بتسألني ليه؟ وبعدين أنا عاملة ريجيم.»
ابتسم بخبث بطيء،وأخرج نفسًا من الدخان بهدوء، بينما عيناه تجولتا بثقة جريئة نحو مقدمة صدرها قبل أن تستقر على وجهها:
«ريجيم إيه وتضيعي الإمكانيات دي كلها؟»
اشتعل وجهها فورًا ارتبكت وأسرعت تغلق أزرار المعطف كأنها تحتمي به انتشلها صوته الهادئ:« إيه مش من حقي أقول رأي؟»
كانت عيناه تتحركان فوق ملامحها ببطءٍ مدروس،كأنه يحفظ تفاصيل وجهٍ لم يتوقع أن يشغله تنحنحت،تجمع شتات نفسها بصعوبة:« أنت كنت متجوز وعندك أولاد.»
مال قليلًا في جلسته،يراقب ارتباكها الواضح، ثم قال بصوتٍ منخفض:«عايزة تعرفي أطلقنا ليه؟»ارتبكت أكثر ثم قالت بسرعة خافتة:«لو مش عايز تحكي بلاش.»
صمت لحظة طويلة ثم قال بنبرةٍ أقل قسوة، وأكثر إنسانية:«جوازنا كان تلات سنين»وتابع بعد زفرة بطيئة:«عمرها ما حست بيا كانت زي لوح التلج رسمية في كل حاجة حتى وإحنا مع بعض في السرير»
اتسعت عينا صدف قليلًا،وبدأت تستوعب المعنى خلف الكلمات،انه عنيف في الفراش
فازدادت حرارة أنفاسها دون أن تقصد سألته، بصوتٍ أخف:«ليه مفهمتهاش احتياجاتك طالما بتحبوا بعض؟ ومراتك الأولى فين؟»
ابتسم بمراوغة،وعيناه لا تفارقان وجهها:
«مراتي الأولى اتوفت»تكونت ابتسامة حزينة على شفتيها،فهمٌ صامت مرّ بينهما.
كأن السؤال لم يطرق عقلها فقط بل طرق وحدتها كلها:«بتشتغلي مدرسة»قالت أخيرًا،بصوتٍ دافئ ومكسور في آنٍ واحد:«مدرسة ألعاب» وفي تلك اللحظة تحديدًا،ارتفعت خفقات قلبه دون إذن،وسقطت كل أفكار الانتقام من داخله بصمت كأنها لم تكن يومًا سببًا لهذا اللقاء:
«بعد الجواز مفيش شغل»
ـ
نهاية الليلة الخامسة