حارة العاشقين الليلة السابعة من الجزء الثاني 2026
كان المشهد في بهو الشقة متشنجًا إلى أقصى حد، والهواء محمّل بثقل الكلام غير المعلن، كل كلمة كأنها حجر يُلقى في بركة من الصمت اقترب سليم بخطوات متأنية من صافي،مائلًا بجسده قليلاً إلى الأمام،وعيونه تتفحّص ما بين الأم وابنتها،بين الحيرة والتمرد،ثم سأل بصوتٍ هادئ لكنه حاد:
«مستنين أيه؟» تنحنحت صافي أصابعها تضغط على جيوب معطفها، وتنهج بصوتٍ خافت: «معيش فلوس»أومأ سليم برأسه، بلا تعليق، ثم أخرج محفظته الجلدية من جيب البنطلون الجينز ،سحب منها ورقة مالية كبيرة، مدّها بيده اليمنى، صوته هادئ لكنه مشحون بالمسؤولية:«اركبوا تاكسي واحجزوا العفش، وهجيب عربية نقل تنقله»
صدى صوته ارتد على الجدران ،صافي رفعت حاجبها بتذمّر:«أيه ده؟»ابتسم سليم ابتسامة شبه استفزازية، مائلة إلى الرقة المدروسة:«مش عايزة؟ بلاش، اركبوا مواصلات»وضع الورقة المالية على سطح طاولة الطعام، ثم التفت بجسده مدعيًا عدم اهتمامه،لكن عودته إلى كتابة المرافعة كانت تحمل رغبة صامتة للذهاب معهما، حتى لا تتعرض صافي لأي إحراج أمام البائعين،
لكن أمّها إهانة أمه المتعالية في كلامها كانت تثقل الجو رفعت صافي يدها عن الورقة المالية، رفضت أن تأخذها، فضّلت المشي على الأقدام، ثابتة في كرامتها، رافضة إذلال نفسها: «خلينا نمشي يا مامي.»غادرا الشقة، وترك صخر القلم يتوقف بين أصابعه، يسقط على الطاولة بصوتٍ خافت، غير مصدق ما يحدث ظل صامتًا، يراقب الحوار مع زوجة شقيقه المتوفى، يعلم أن أي حديث معهم يتحوّل إلى مشاجرة، ثم عاد ليكمل كتابة الجرد الأسبوعي سأله بنبرة شبه مملة:
«عملت إيه في حكاية البنك؟»أجابه سليم وهو يزفر بضيق:«فتحت حساب باسم الحاج صالح، هو الواصي على أحفاده»«ومرات عمك؟»سأله صخر وهو يرتشف قهوته،
«ناقص امضتها.»
وقفت لميس قبالة صخر، يديها ممتدتان بطلب بسيط، يفيض براءة الطفولة:«أنا هاخد تاكسي لحد الجامعة وأقدّم ورقي.»على الأريكة،كان يوسف جالسًا، يتابعها بهدوء،كأن الزمن قد توقف حتى يضمن أنّ كل خطوة تقوم بها ستكون تحت مراقبته الخفية، ويمكّن نفسه من التدخل بطريقة محسوبة، بلا صخب، بلا إعلان ارتفع رأس صخر عن كتابة الطلبيات، ونظر إليها بعينين تثقلهما السلطة والحنو معًا:«هتروحي الجامعة بالشكل ده؟»ارتبكت لميس للحظة، حاولت أن تفهم الغرابة في السؤال، كما لو أنّ العالم توقف فجأة حولها:«بالشكل ده إزاي؟ ما لها هدومي؟»نقر صخر بسنّ القلم على سطح الطاولة،حركة صغيرة لكنها مشحونة بالاستفهام والحزم، بينما كان يفكّر كيف سيشرح لها المسألة بلا أن يجرح كبرياءها استقام يوسف، بدأ يتحرك بخطوات هادئة، واصلاً استثارة معتادة، تلك التي كانت تجعله يعبّر عن نفوره الداخلي بصمت. توقّف صخر، حرك كفه الأيمن تحذيرًا له:
«خلي في حالك يا يوسف.»التفتت لميس برأسها إليه، وأخرجت لسانها بمرح طفولي، فأطلق صخر ضحكة عالية، مليئة بالمزيج الغريب من الدهشة والتسلية، بينما ابتسم يوسف بلا وعي ،قال صخر بصوت خافت، متأنٍ، كأنه يتحدث مع نفسه قبل أن يصل إليها:«إحنا هنا في حارة شعبية لبسك ومكياجك في إنجلترا كنت بتلبسي اللي يلائم المجتمع المنفتح هناك لكن هنا الناس مش هتسيبك في حالك.»زفرت لميس بملل، لكنها ترددت في السؤال:«معنديش غير لبسي ده.»عقد صخر ساعديه على صدره، منتظرًا ردة فعلها، ثم قال بلطف، مشبع بالحزم:
«خذي أي حاجة من أخواتك، وامسحي المكياج أنتِ جميلة مش محتاجة و شيلي الخصل لون شعرك حلو في حد يعمل شعره أزرق و أخضر.»ضربت الأرض بقدمها اليمنى، هاتفة بتذمر طفولي:«أنت كده هتدمر اللّوك اللي عاملته.»ابتسم صخر بلطف، وأعاد حديثه بطريقة أكثر وضوحًا، دون أن يفقد حزمَه:«أنتِ عاملة للوك عبدة الشيطان و إحنا مسلمين.»سحبها خلفه، حتى وقفت قبالة المرآة الجانبية، تلك التي كسرتها صافي من قبل:«في حد يحط روج أسود يا لميس؟ وأيه ده ترتر على الصبح؟ وشورت جينز و كلون بمبي بمبي؟ وإيه علاقة كل ده بالكروكس اللي في رجلك؟»ضحكت لميس ضحكة رنانة، أجبرت يوسف على الالتفات إليها، وفرك كفيه ببعضهما من الغيظ، كل حركة وكل كلمة منها كانت تجعل عقله يتشابك بين الرغبة في التدخل والدهشة من جرأتها الطفولية،نقر بأصابعه على مسند الأريكة متعمدًا التأخير، حتى يهيئ الوقت لميس لتفهم نصيحة والده قبل أن تخرج اقتنعت بالمناقشة، ودلفت غرفة نومها لتبديل ملابسها ومسح المكياج ،مرت دقائق شعرت بها يوسف وكأنها سنوات. ثم خرجت لميس، متوقفة قبالتهم، ترتدي بنطلون جينز أزرق، وكنزة شتوية بيضاء، وحذاء رياضي أبيض، ومعطف من اللون الأسود على ذراعها، وحقيبة تبدو كدرع حماية، بلا مكياج، وخصل شعر مستعارة،أطال يوسف النظر إليها، جميلة حدّ الفتنة، بينما ارتسمت على شفتي صخر ابتسامة عريضة:«شفت كده أجمل.»حمد ربه أن لميس اقتنعت بالمناقشة، وأخبرته بخطتها:«هاخد تاكسي وأقدّم ورقي في الجامعة.»استند صخر بكفه الأيسر على خده، وقال بخطوة محسوبة:«يوسف هيقدم لك في الجامعة ويوصل لك.»رفض يوسف بعصبية، مبررًا:«أنا دكتور المادة، وهي طالبة عندي شكلي هيبقي أيه الطلاب يقولوا عليا أيه؟,.»تنهد صخر بضيق شديد، وأخبرها بحزم:«هوصلك أنا كل يوم بالعربية.»
جاءت جملة والده كرصاصة، فتدخل سليم، محاولًا إنقاذ الموقف:«معقول أنت هتوصلها كل يوم للجامعة؟ مشوار عليك.»تقدم بيوسف خطوتين أمام باب الشقة، وفتح الباب:«هو هيوصلها، من غير ما حد ياخد باله هتقف تستناه بعيد، مش كده يا لميس؟»
لم تفهم لميس ما يدور في رأسه، لكنها أرادت الذهاب مع يوسف على أي حال ،أخبره سليم أنها لم تتناول وجبة الإفطار بعد:«اشتري لها شوفان يا يوسف.»وأخيرًا خرجوا، وأُغلق باب الشقة خلفهم، مستندًا سليم بظهره إليه، ابتسم صخر بخبث، وحرك كفه الأيمن، وقال له:«تعالي وأحكي لي إيه اللي في دماغك.»
ـ
في الحارة، كانت صافي وكارين تتشابكان بذراعين متوترة، تضغطان على كعب الأحذية العالي أثناء المشي خصلات شعرهما الشقراء المنسدلة والمموجة بعناية تتراقص خلفهما، ومعاطفهم الشتوية الفاخرة تلفت الأنظار.
سكان الحارة يتبادلون النظرات، من يعجب، من يسأل في سره، ونساء يهمسن متسائلين عن هويتهما، في حين تتناثر نظرات تذمر بين كارين و صافي من نظرات أبناء المنطقة الشعبية بسبب تبدّل أحوالهن المعيشية
همست كارين بتعب:«عندي أروح مشي، ولا أخد فلوس شحاتة وذل من عمك وجوزك؟ أنا اللي غلطانة إن قلت لك خدي منه فلوس.»
تشنجت ملامح صافي، كل كلمة كانت تضغط على أعصابها:«كفاية! أنا أصلاً مش طايقة سليم ولا أبوه»توقفا يلتقطان أنفاسهما من المشي بالكعب العالي سألتها كارين، بعينين مثقلة بالتعب: «تعرفي معارض قريبة؟»
هزّت صافي رأسها بالنفي:«شكلنا كده هنمشي كتير»ثم توقفت، نفاد صبرها واضح:
«إزاي وافقت ياخد مني مفتاح العربية؟»
استندت عليها كارين، وطلبت منها بتعب:
«هات لي عصير السكر عندي واطي.»
ارتعشت صافي، بصوتها المملوء بالقلق:
«أنت بقالك كام يوم ما أخدتيش دواء السكر؟»أجابت كارين، تتنهد ببطء:«بقاله عشرة أيام خالص»سقطت فجأة على الأرض، افترشتها بجسدها، وصرخت صافي:
«مامي!»التفت حولهما السكان في الحارة، وبدأت الهمسات تتصاعد التقطت صافي الهاتف بيد مرتعشة، أجرت اتصالًا بجيهان، التي ردّت عليها بمرح:«أنتم فين؟»
كانت صافي تمزج الخوف على أمها بالغضب من ضيق الحال:«مامي مغمي عليها في الشارع بقالها عشر أيام ماخدتش دواء السكر»دمعت عيناي جيهان، ركضت على الفور نحو غرفة المعيشة لتبلغهم:«مامي جات لها غيبوبة السكر وأغمي عليها في الشارع!»ركض كل من صخر وسليم خارج الغرفة، خطواتهما سريعة، متلاحقة، نحو باب الشقة،نزلا على الدرج بخطوات متسارعة، والأدرينالين يملأ جسدهما،والقلق يعلو كل كلمةٍ لم تُقال بعد..
ـ
نهاية الليلة السابعة