حارة العاشقين الليلة الرابعة من الجزء الثاني 2026
كان صخر جالسًا في غرفة المعيشة جلوس من اعتاد المكان حتى صار امتدادًا لهيبته، يتكئ بظهره إلى المقعد العريض،ويوازن فنجان القهوة بين أنامله ببطءٍ محسوب،كأن كل حركة منه لا تُؤدّى إلا بعد أن تمرّ عبر ميزانٍ داخليّ من الاتزان والسلطة.وكان صوته،حين تحدّث،عميقًا مستقرًّا،لا يعلو ولا ينخفض،بل ينثال في الهواء انسيالًا هادئًا يفرض الإصغاء دون أن يطلبه.نادى،دون أن يرفع رأسه:«كارين.»جاء اسمها على لسانه خاليًا من الزينة،غير أنّه بلغ سمعها كنداءٍ خاص،فالتفتت إليه التفاتةً متردّدة،ثم اقتربت بخطواتٍ حذرة،وجلسَت قبالته،محاولةً أن تضبط ملامحها،غير أنّ عينيها كانتا خائنتين لسكينتها؛فقد انشغلتا بتتبّع طريقته في الكلام،ووقار صمته بين الجملة والأخرى، وتلك السمة الرجولية الصلبة التي لم تكن تجد لها تفسيرًا واضحًا.ولم تصدّق،وهي تراقبه،أنّ قلبها قد ينحرف قليلًا نحو الإعجاب برجلٍ هو،في ميزان الواقع،أخو زوجها الراحل،وخصمها في القضايا،ومنازعها في الميراث.كان الشعور في داخلهـا أقرب إلى نزوةٍ عابرة من عقلٍ مُجهد،لا إلى ميلٍ حقيقي؛ومع ذلك،لم تستطع دفعه كلّ الدفع.
وقبل أن يستقيم الحديث بينهما،انشقّ سكون الغرفة بدخول نجوى زوجته الثانية بخطواتٍ ثابتة،غير أنّ عينيها كانتا ترمقان كارين بنظرةٍ مشوبةٍ بحقدٍ صامت،نظرة امرأةٍ ترى في الأخرى أصل البلاء الذي امتدّ إلى نسلها وبيتها.توقّف الهواء لحظة،وكأن الغرفة أدركت أنّ دخولها لم يكن عاديًا.رفع صخر رأسه قليلًا،وقال بلهجةٍ اعتيادية تخفي ما وراءها:«طبخنا إيه؟»
أجابت نجوى بمرحٍ مصطنع،وقد عقدت ذراعيها بثقة:«ممبار،ولحمة رأس،وكوارع.»
فصفّق بكفّه اليمنى على كفّها تصفيقةً خفيفةً، وانطلقت منه ضحكةٌ عالية،عريضة،تملأ المكان كأنها إعلانٌ عن مزاجٍ رائق لا يخلو من سخرية:«ما حدّش هيجيب لي تصلّب الشرايين غيرك.»فقالت مسرعة،وفي صوتها خليط من الدلال والدفع للشرّ:«بعد الشرّ عليك.»وما إن انقضت عبارتها،حتى انفتح باب الغرفة ثانية،ودخلت ورد ونوّارة معًا، فاهتزّ الجوّ كأن نسيمًا محمّلًا بالكيد النسائيّ قد اندفع دفعةً واحدة.ساد صمتٌ ثقيـل،كالصمت الذي يسبق الحكم.
ثم رفع صخر قدمه اليمنى فوق حافة الكرسي،واستند بساعده على ركبته،في هيئةٍ تجمع بين الاسترخاء والسلطة،قبل أن يهتف بنبرةٍ حادّةٍ مقتضبة:«هعدّ لحدّ تلاتة ولو لقيت واحدة فيكم لسه واقفة قدّامي.»
لم تُكمل ورد الانتظار،بل بادرت تقول بغيرةٍ مكشوفة:«الولية الخبيثة دي أخدت ليلتي استغلّت إني كنت في الحمّام.»التفت إليها صخر بنظرةٍ جانبية،وقال ببرودٍ ساخر:«وإنتِ كنتِ بتنشري بالجلالبية الضيّقة دي.»رفعت ورد رأسها في وضعية المنتصرة، وقالت بثقة:«كنت لابسة إسدال الصلاة.»
هزّ رأسه إيماءةً مقتضبة،ثم قال:«هعوّضهالك يا ورد.»
وما إن نُطقت الجملة،حتى اشتعلت نارٌ خفيّة في عيني نوّارة ونجوى معًا،كأن وعدًا واحدًا كان كافيًا لإيقاظ كل غيرةٍ نائمة.فصدح صوته فجأة،قاطعًا التوتر:«على المطبخ.»
فانطلقت الزوجات الثلاث مسرعات،تتداخل خطاهنّ وضجيج ثيابهنّ،حتى خلت الغرفة منهنّ،وعاد الصمت،لكنّه لم يكن الصمت نفسه.توقّف صخر عند حَلَق الباب،منتصب القامة،طويل الظلّ، مفتول البنية،كتمثالٍ حيّ من صرامةٍ خالصة.وكانت كارين تتابعه بعينيها متابعةً لا إرادية،وقد تسلّل إلى داخلها فضولٌ غامض،أشبه بنداءٍ بدائيّ لا تعترف به، ولا تستطيع إنكاره.عجبت في سرّها!ما الذي يثيرها في هذا الرجل؟زوجها الراحل كان أرفع مقامًا،أوسع علمًا،وأعلى شأنًا ومع ذلك، لم يكن حضوره يُربكها كما يفعل حضور أخيه.فركت كفّيها ببعضهما في خفاء،محاولةً أن تستعيد توازنها،حين التفت صخر برأسه يمينًا فجأة،وقال بنبرةٍ هادئةٍ قاطعة:
«أنا عارف مالِك.»تجمّدت ملامحها،واتّسعت عيناها ذهولًا.أيعقل أنّه أدرك ما تُخفيه؟
أيعقل أنّ نظرةً عابرة فضحت ما حاولت دفنه في أعماقها؟ترقرقت الدموع في عينيها، وسألته بصوتٍ خافتٍ مرتجف:«عارف إيه؟»
جلس على الكرسي في استرخاءٍ واثق، دوفتح ذراعيه قليلًا،كأنما يوسّع مساحة هيمنته على المكان،وقال:«إنك مش طايقاني وشايفاني شيطان أخد ميراث بناتِك،وبتفكّري في قضية الوصاية.»انفرج فكها،وتنفّست الصعداء في سرّها،أنّه لم يمسّ جوهر اضطرابها الحقيقي.غير أنّ دهشتها عادت تتشكّل حين أردف،بنبرةٍ أكثر نفاذًا:«وعارف كمان إنك ناوية ترفعي قضية تمكين شقّة الزوجية عشان تطلّعي بأي حق لبناتك من ميراث أبوهم.»حدّقت فيه مذهولة،وقالت، وقد اختلط الغضب بالخوف:«عرفت منين؟ كنت بتتصنت علينا؟»فانفجر ضاحكًا ضحكةً مجلجلة،وقال في استخفافٍ ظاهر:«أتصنت عليكم؟ وبنتِك جيهان قاعدة برّة معانا ما هي هتقولك..»ثم انحنى بجسده حتى صار على مستوى جلوسها، واقترب صوته منها اقتراب التهديد المهذّب، وقال بنبرةٍ منخفضةٍ حاسمة:«لو رفعتِ قضية تمكين الشقّة هخلّي الحاجّ صالح يرفع قضية الوصاية وياخد منكِ كريم.»
وساد بعد كلماته صمتٌ طويل،ثقيل،من ذلك..غادرت الغرفة تاركة خلفها علامات استفهام؟
-
توقفت صافي بجانب باب غرفة الصالون تراني في الزاوية،كظل يتحرك على حائط كهف مظلم،يحاول أن يختفي ولا يستطيع صافي اسمها يتردد في رأسي كصدى بعيد،مزعج ومغري في آن.أعرف أنها تكرهني أو هكذا تقنع نفسها لكن عينيها تخونها كل مرة.تنزلق نظرتها على صدري،على ذراعي،ثم تهرب بسرعة كغزالة سمعت خطوة صياد.أتجاهلها عمدًا،أقف عند حلق الباب لأسد الضوء،أترك جسدي يملأ الإطار كأنني جبل يحجب الشمس عن وادٍ.أرى كيف يرتجف صدرها،كيف تبتلع ريقها بصعوبة،كيف تحاول أن تثبت نظرها في الأرض وتفشل.أعرف أنها تشعر بالحرارة تنتشر فيها كماء ساخن يُسكب ببطء داخل وعاء زجاجي هش.أشعر بها دون أن ألمسها،كأن بيننا خيطًا من نار غير مرئي يشدّ كلما اقتربتُ خطوة.أقول لها الكلمات القاسية:«هاخدك بالمحكمة غصب عنك».أراها تتنفس الصعداء للحظة،كأنها نجت من سقوط.ثم أكمل، بصوت أخفض،أقرب إلى الهمس الذي يخترق الجلد: «وعارف إنك هترفعي قضية تمكين شقة الزوجية ولو عملتِ كده،هخلّي أبويا ياخد كريم».أرى الرعب يغزو عينيها كسحابة سوداء تغطي بحيرة صافية،لكن تحت الرعب هناك شيء آخر شرارة،لهب صغير يرفض أن ينطفئ.أعرفه جيدًا،لأنه يعيش فيّ أيضًا.
أنا لا أكرهها.أنا أريد أن أكسرها قليلاً،فقط لأرى إن كانت ستُعيد بناء نفسها نحوه، أنا.أريد أن أرى تلك الأنوثة المكبوتة تخرج من قوقعتها كفراشة بعد عاصفة مطر طويلة. أريد أن أسمع اسمي يخرج من شفتيها ليس كلعنة،بل كدعاء مكسور.في كل مرة أهددها، أشعر بجسدي يتوتر،عضلاتي تشتد كأنها تستعد لمعركة أو لعناق.أعرف أنني ألعب بلعبة خطرة؛أنا أدفعها نحو الحافة،لكنني أخشى أن أكون أنا الذي سأسقط أولاً.لأن تحت كل هذا الجليد الذي أظهره،هناك جوع يعوي كذئب في ليلة قمر مكتمل:جوع لأن أكون مرغوبًا منها،لأن أرى في عينيها ليس الخوف فقط،بل الاستسلام الجميل، الاستسلام الذي يشبه الغرق في بحر دافئ.
أقف هناك، أنظر إليها،والمسافة بيننا مليئة بالكهرباء.لا ألمسها.لا أحتاج.النظرة كافية. الصمت كافٍ والكلمات التي أقولها ليست تهديدًا فقط إنها دعوة مقنعة بالقسوة:«خلينا نتفق أحسن بلاش قضايا و محاكم إحنا مهما كان ولاد عم»دنا منها ببطءٍ يحمل مهابةً أقرب إلى اقتحامٍ صامت،كأنّ المسافة بينهما أرضٌ محايدة قرّر أن يضمّها إلى نفوذه دون حربٍ معلنة،بل بغزوٍ يتسلل إلى أعماقها قبل أن يلمس جسدها.الهواء نفسه بدا متواطئًا معه؛ساخنًا،مثقلاً بأنفاسه الثقيلة، يلامس بشرتها العارية جزئيًا تحت روب البيجامة الرقيق،يثير فيها شعورًا بأنها محاصرة في شبكة من الرغبة المتفجرة،تلك الرغبة التي تتسلل إلى أسرارها الأكثر حميمية،تجعلها تشعر بأن جسدها يخونها، يتوق إلى الاستسلام قبل أن يطلب عقلها ذلك.لم تمتدّ يده إلى خصرها النحيل،غير أنّ حضوره التفّ حولها كعباءةٍ من دفءٍ متمرّد، يغمرها بإحساسٍ يربك حدودها ويخلخل يقينها، يجعل نبضها يتسارع في أماكن لم تكن تعرف أنها قادرة على الاحتراق بهذه الشدة. رفع ذراعيه فوق رأسها،مستندًا إلى الحائط بقوة تجعل عضلاته تنتفض تحت قميصه الملتصق بجسده،كأنّه يعرض قوته كدعوة جريئة للاستكشاف،تحاصرها لا بالجسد فحسب،بل بالإرادة المتوحشة التي تنبعث من عينيه،تلك العينان اللتين تغوصان فيها كما لو كانتا تمتلكانها بالفعل.أنفاسه اقتربت من عنقها،تداعبه همسًا حارًا،فتسلّل إلى جسدها ارتعاشٌ دقيق،بدأ من موضعٍ خفيٍّ في أعماقها،ثم تمدّد كشرارةٍ تبحث عن وقود،تنساب إلى صدرها المتماوج،إلى فخذيها المتوترين،تجعلها تشعر بتلك الرطوبة السرية التي تخون تحفظها،تلك الرغبة الجريئة التي تثور فيها كعاصفة،تجعلها تتوق إلى أن يلمسها،يغزوها،يمزق كل قيد يفصل بينهما.أغمضت عينيها نصف إغماضة،لا استسلامًا،بل هروبًا من وضوح اللحظة،لكن داخلها كانت النار تشتعل،رغبة جامحة تطالب بالمزيد،بالغوص في تلك الهاوية الشهوانية التي يعد بها سليم دون كلمات.
"سليم" ذلك الاسم الذي صار له ثقلٌ خاص في صدرها، اقترب أكثر، حتى شعرت بأنّ صمته أبلغ من أيّ كلمة،يحمل وعودًا بمتعة محظورة،بلذة تتجاوز الحدود.عيناه كانتا تفتّشان ملامحها كما لو كانتا تقرآن نصًّا سريًّا لا يراه سواهما،نصًا يحكي عن رغبتها المكبوتة،منذ تلك الليلة الماضية التي كانت فيها يديه تتجول على جسدها دون رحمة.شفتاه اقتربتا ببطءٍ محسوب،لا استعجال فيه،وكأنّه يمنحها وقتًا لتتوقّع لتنتظر لتذوب في حتمية القبلة قبل أن تقع، تلك القبلة التي ستكون بداية لانهيار كامل، حيث يلتهمها بنهم يفوق السيطرة،يجعلها تئن تحت وطأة الرغبة التي تتفجر في أعماقها.
كان قلبها يضرب صدرها بقوة،كطبولٍ في ساحة مواجهة شهوانية،لم تكن معركةً معه، بل مع ذاتها رغبةٌ تتقدّم كوحش جائع، وكبرياءٌ يتراجع أمام حرارة جسده المنبعثة، وصوتٌ داخلي يهمس استفيقي،لكنّ جسدها كان يكتب رأيًا آخر، يطالب بلحظةٍ واحدةٍ تسقط فيها كلّ التحفّظات،حيث تندفع نحوه، تمسك به، تطالب بأن يأخذها هنا والآن،دون تردد.همست، بصوتٍ متقطّع لا يخلو من عناد جريء:«أنت فاكر إنك هتخلّيني أضعف أنت مش فارق معايا؟»ارتسم على شفتيه إبتسامة شبه قريبةٌ من التحدّي الشهواني:«هو أنا قلت حاجة؟»لكنّ وقوفه كان أشبه بإعصارٍ مؤجّل،يجمع قواه ليضرب بكل عنفه،يجعلها تشعر بأنها على حافة الانهيار،جسدها يرتجف من التوتر الجنسي الذي يبنيه ببطء،يجعل أطرافها تشتعل بحاجة ماسة إلى لمسته.
اقترب أكثر حتى كادت المسافة أن تتلاشى، لحظةٌ واحدة،وكانت ستنهار فيها كلّ الأسوار التي بنتها حول قلبها ورغبتها،شعرت بأنّ الزمن نفسه يبطئ،ينتظر ما سيحدث،يمنحها فرصة أخيرة لتتخيل كيف سيكون طعمه، كيف ستذوب شفتاها تحت شفتيه،كيف ستنساب يداه إلى أماكنها الأكثر حساسية، مشعلةً حريقًا لا ينطفئ.ثم فجأة،أنسحب لا تراجعًا متردّدًا،بل أنسحب انسحابًا حاسمًا،كأنّه قطع خيطًا كان مشدودًا بينهما، يتركها معلقة في فراغ الرغبة المكبوتة.ابتعد خطوة،ثم أخرى،وسحب معه دفء اللحظة كما تُسحب شمعةٌ من غرفةٍ مظلمة،تاركًا إياها مع برد يحرق أكثر من الحرارة،مع رغبة تثور في أعماقها كوحش محبوس يطالب بالحرية.فتحت عينيها على فراغٍ لم تتوقّعه، البرد حلّ محلّ الحرارة،والصمت صار أثقل من أيّ اقتراب،مليئًا بغضب جريء ممزوج برغبة متوحشة.التفت نحو الباب،فرأته يغادر دون كلمة،أُغلق الباب خلفه بصوتٍ حادّ، ارتطم بصدرها قبل أذنيها،يثير فيها صرخة داخلية من الإحباط الذي يحرقها من الداخل.
بقيت مكانها،ظهرها إلى الحائط،أنفاسها ما تزال متسارعة كأنّها خرجت تواً من سباق حميمي لم يكتمل،رفعت يدها إلى عنقها،كأنّها تتحسّس أثر أنفاسه التي لم تعد هناك،لكن أصابعها امتدت أبعد،تلامس صدرها المتوتر، تشعر بتلك الحرارة التي رفض إطلاقها.تمتمت بغيظٍ ممزوجٍ بدهشة جريئة:«فاكرني هموت عليك»لكنّ الحقيقة التي لم تعترف بها أنّها لم تكن غاضبةً فحسب بل متشوّقة إلى حد الجنون.الانسحاب لم يُطفئ النار،بل أجّجها،تركها معلّقةً بين رغبةٍ لم تكتمل، وكبرياءٌ يرفض أن يعترف،لكنه يعد بتمرد أكبر. في مكانٍ ما داخلها،بدأت طقوس تمرّدٍ صامت،جريء،حيث ستكون هي التي تغوي المرة القادمة،ستأخذ ما تريد دون انتظار، ستجعله يندم على تركها في هذا الجحيم الشهواني :«هردهالك يا سليم»
ـ
في أعماق كارين،يشتعل صراع كعاصفة رملية في قلب الصحراء قلب أرملة تتشبث بظل زوجها المتوفي كشجرة يابسة تُمسك بآخر قطرة ندى،وامرأة تتنفس تحت طبقات الرماد، تنتظر ريحاً جنوبية حارة تُوقظ جذورها النائمة.كلما رأت صخر،تستيقظ في جسدها أنهار جافة منذ سنين،تنساب حرارة سرية كماء يتسلل تحت التربة المتشققة،من عنقها إلى أسفل ظهرها كشلال خفي ينحت الصخر ببطء،وتخونها فخذاها برعشة كأوراق نخلة تتمايل تحت عاصفة رملية مفاجئة.تريد أن تكرهه هو الذي يلوّح بسيف الوصاية كريح عاتية تهدد بقلع شجرة كريم لكن عينيها تشرب من خط فكه كظمأى عند واحة بعيدة،تتذوق عضلات ذراعيه كأنها تلمس جذع نخلة قوية تحت أشعة شمس قاسية،وتسمع صوته الخشن يهمس التهديد فتُشبه النغمة رعدًا بعيدًا يُثير المطر في أعماق الروح.التناقض يُخنقها كضباب كثيف على بحيرة ساكنة:تشتهي أن تذوب في حضنه كثلج يلتقي بحريق بركاني،وتخاف أن تُحرق كحقل قمح جاف تحت شمس لا ترحم،تريد أن تصرخ «بكرهك» كريح شمالية باردة،وتهمس «محتاجة لك» كموجة دافئة تُقبل الشاطئ.في ليالي الوحدة،تضع يدها على صدرها كمن يحاول إسكات طائر بحري يصرخ داخل قفص من صدف،دموعها تسقط كلؤلؤ مطر محترق على أرض قاحلة: إعجاب محرّم يلمع كنجمة في سماء الليل،ندم يحرق كجمر تحت الرماد.هي ليست في حرب معه،بل في معركة بين كرامتها الدامية كوردة مزقها الشوك،وجوع روحها الذي يُغني في الظلام كذئب يعوي تحت قمر مكتمل جوع لنظرة تُلبسها الأنوثة كضوء فجر على جبل،ليد تمتد كغصن يحمي من العاصفة،لصوت يقول اسمها كأنه نداء موج البحر للشاطئ.
وكلما طالت الحرب الباردة بينهما،اقتربت خطوة من حافة الهاوية كطائر يقف على صخرة مطلة على الهاوية،قلبها يهمس في رعب عميق كصدى كهف:«أنت بتكرهي أخد ميراث بناتك وعايز ياخد منك كريم»
وكان السقوط هو الريح الوحيدة التي تحملني إلى السماء؟ «أنت بتفكري فيه علشان وحيدة»
ـ
نهاية الليلة الرابعة