حارة العاشقين الليلة التاسعة من الجزء الثاني 2026
كانت الحارة، في تلك الساعة المائلة بين وضح النهار وارتجاف المساء، كصدرٍ ضاق بأنفاس أهله حتى كاد ينفجر بهم جميعًا دفعة واحدة، إذ ما إن ارتفعت أول صيحةٍ خشنة من أمام محل الجزارة حتى تتابعت الأصوات كحبات سبحةٍ انفرط خيطها، تتدحرج على أرضٍ ملطخة بآثار الدم والماء، ويختلط فيها نباح الكلمات بصرير الأبواب، وارتطام الأقدام، وهمس النسوة خلف المشربيات الخشبية التي لا ترى ولا تُرى إلا بمقدار ما تسمح به الفضيحة ظلال الشرفات المتقابلة تمتد كأصابع طويلة تراقب كل حركة،كل نظرة، كل نفسٍ يُسحب بصعوبة من صدورٍ اعتادت التوتر أكثر مما اعتادت الطمأنينة.
محل الجزارة، الذي يحمل اسم والد ذهبية،بعدما تغيّر اللوح الخشبي المعلّق بعد فوزها بقضية النزاع الذي بينها وبين عمها، كأنه إعلان حرب غير منطوق ،وقفت ذهبية عند المدخل، كتفاها مشدودتان، ذقنها مرفوع، وعيناها تلمعان بذلك التحدي الصلب الذي لا يشبه الصراخ بقدر ما يشبه الصمت الذي يسبق الانفجار، بينما التف حولها الجزارون القدامى، أجساد ضخمة، أنفاس غليظة، ونظرات ممتلئة باستخفاف ثقيل.
قال أحدهم وهو يمسح سكينه في قطعة قماش ملوّثة: "هنشتغل عند ست اخرتها!"
تسلل الهمس في الحارة كدخان خفيف، وتوقفت خطوات المارة، وتباطأت العربات الصغيرة، حتى بدا المكان كله كأنه انحنى قليلًا ليستمع لم ترتفع نبرة ذهبية، لكنها خرجت حادة، ثابتة، كحدّ شفرة: "الدكان باسم أبويا واللي مش عاجبه الباب يفوّت جمل يا خويا"ضحكة ساخرة انفجرت من أحدهم، خشنة،مستفزة، تبعتها خطوة للأمام، ثم أخرى،حتى ضاقت المسافة بينها وبينه، وصار صوته أقرب من اللازم: "عمك قالنا الدكان ملكه."مدّ يده فجأة وأمسك بذراعها، قبضة فظة، قاسية، كأنه لا يمسك إنسانة بل اعتراضًا يجب كسره في تلك اللحظة تحديدًا،كان ليل يقف على عتبة المستودع، عيناه ترصدان التفاصيل دون أن يبدو كمن يتدخل في شيء، إلى أن وقع بصره على تلك القبضة المطبقة حول ذراعها ألقي لفافة التبغ من يده اقترب بخطوات ثابتة، ببطء محسوب، حتى وقف جوار الرجل، ثم أمسك معصمه بهدوء غريب لا يتناسب مع التوتر المشتعل في المكان، وقال بصوت منخفض، عميق، خالٍ من أي استعراض: " في أيه." جملة واحدة فقط لكنها سقطت في الحارة كحجرٍ في ماء راكد التفت الرجل إليه بازدراء، محاولًا سحب يده دون جدوى، فقد كانت قبضة ليل ثابتة، لا عنيفة، لكن عنادها صامت، لا يقبل المساومة :"وأنت مالك؟!"
خرجت الجملة من بين أسنانه مشحونة بتحدٍ فج رفع ليل نظره إليه أخيرًا، نظرة هادئة إلى حد الاستفزاز، وقال: " طب اتوكل علي الله مش خلصت شغلك." دفعه الرجل فجأة بكتفه لحظة واحدة فقط كانت الفاصل بين الصمت والانفجار انفلتت القبضة اصطكت السكاكين على الطاولة المعدنية ارتفعت الأصوات واندفع الجسد في مواجهة الجسد
لم يكن شجارًا فوضويًا بقدر ما كان تصادمًا مكتومًا، ضربات قصيرة، متلاحقة، أنفاس تتلاحق، وأجساد تتشابك وسط صرخات النسوة من الشرفات، ونداءات الرجال الذين التفوا حول الحلقة المتشكلة في قلب الحارة.
تراجعت ذهبية خطوة، ثم خطوتين، ويدها ما زالت ترتجف من أثر القبضة التي أمسكتها قبل لحظات، لكن عينيها لم تفارقا ليل، الذي تلقى الضربة الأولى دون أن يتراجع، ثم ردّ بدفعٍ قوي جعل الرجل يترنح ويصطدم بطاولة الجزارة، فتساقطت أدواتها بصوت معدني حاد اخترق الهواء ..
في الطابق العلوي، داخل بيت العائلة، كانت نجوي واقفة قرب النافذة، حين تسلل صوت الجلبة من الخارج، متقطعًا، ثم متصاعدًا، حتى صار صخبًا لا يمكن تجاهله اقتربت ورد من الشرفة، قلبها يخفق بقلقٍ غامض، وقالت: "في خناقة في الشارع مع مين!" تحرك سليم نحو الباب فورًا، لكن صافي سبقته بخطوة، ووقفت أمامه، كأن جسدها نفسه صار حاجزًا: "متنزلش." نظر إليها بدهشة مشوبة بالتوتر: "ليل بيتخانق." ارتجفت أصابعها للحظة، ارتجافًا لم يغب عن عيني صخر و لا كارين،اللذين تبادلا نظرة طويلة، صامتة، محمّلة بفهمٍ ثقيل لما لا يُقال ..
خرجت زوجات صخر الثلاث على صوت الضوضاء، وجوه متجهمة، عيون قلقة، لكن ما إن وقعت أنظارهن على صدر صخر العاري حين خرج من غرفة كارين مسرعًا، حتى تجمدت ملامحهن في صدمة صامتة الندبة الطولية، أسفل الترقوة، ما زالت واضحة، أثر الطعنة التي لم تندمل في الذاكرة قبل الجسد قالت نجوي هامسة، بصوت مرتجف: " الولية دي عملت لك أيه أنا هدخلها أأدبها!" لم يجب صخر لم ينظر إليها أصلًا كان سمعه مشدودًا إلى الخارج، إلى صوت الاشتباك، إلى وقع الأجساد، إلى صوت ابنه ليل الذي التقطه بين صرخات الحارة في الأسفل،كان ليل يتلقى ضربة جانبية، انحرف جسده قليلًا، ثم استعاد توازنه، بينما اندفع رجل آخر نحوه، لكن ذهبية، دون أن تشعر، صاحت بصوت خرج منها حادًا، مرتعشًا: "يا لهوووي يا الهوووي!"
تلك الصيحة وحدها أربكت إيقاع الشجار للحظة لحظة قصيرة لكنها كافية ليصل صخر إلى باب الحارة وهو يقفل أزرار قميصه توقف عند المدخل نظره انغرس في المشهد
ابنه في قلب الاشتباك،والناس تحيط به،
والدم يلمع على شفاه أحد الجزارين،وذهبـية واقفة كتمثالٍ من توترٍ حي اندفع سليم خلفه، صدره يعلو ويهبط بعنف، بينما الحاج صالح وقف عند العتبة، يراقب بعينٍ يملؤها قلقٌ ثقيل، أما الحاجة فاطمة فوضعت يدها على صدرها، وكأن قلبها يسبق الأحداث وفوق كل ذلك كانت ورد واقفة خلفهم،صامتة، شاحبة، وعيناها مثبتتان على ليل وحده، لا على الشجار، لا على الصراخ، بل عليه هو تحديدًا، كأن خوفها تجسد في شخصٍ واحد فقط.
وفي لحظة فاصلة، أمسك ليل أحد الرجال ودفعه بعيدًا عن ذهبية، ثم وقف أمامها دون أن ينظر إليها، جسده حاجز صامت ساد صمت متوتر تراجع أحد الجزارين، ثم آخر، بينما بقيت نظراتهم مشتعلة.
وفي الغرفة المجاورة، كانت كارين واقفة عند الباب، لا تتقدم ولا تتراجع، عيناها تتبعان حركة صخر الذي خرج مسرعًا، صدره مكشوف، والندبة الممتدة على جلده كأنها سطرٌ طويل من قصةٍ لم تُغلق صفحاتها بعد، فارتجف شيءٌ في داخلها، شيءٌ لا يشبه الخوف على رجلٍ فحسب، بل الخوف من أن يعاد فتح جرحٍ كانت هي سببًا في رسمه.
لكن صخر كان قد تجاوز العتبة، ونزل الدرج بخطواتٍ ثقيلة، لا سريعة ولا مترددة، بل تلك الخطوات التي يعرفها أهل الحارة حين يسمعونها، فيدركون أن صاحبها لا ينزل ليشهد، بل لينهي.
أما الحاج صالح، فكان واقفًا في صدر المجلس، يضع يده على عصاه، كأنها امتداد لهيبته، وقد غمره قلقٌ لا يليق برجلٍ خبر من الحياة ما خبر، غير أن القلق على الأبناء مهما كبروا يظل كالنار تحت الرماد، يشتعل متى هبّت ريح الخطر تمتم بصوتٍ خافت:
"يآرب سلّم."ولم يكن يقصد الجراح الظاهرة فحسب، بل تلك التي تنمو في الصدر بصمت، ولا تُرى إلا حين يتأخر الأوان..
وفي شرفة غرفة المعيشة، وقفت صافي، عيناها تلتهمان المشهد، ويداها مشدودتان إلى درابزين الشرفة كأنها تتشبث بالحياة ذاتها، وقلبها معلق بزوجها سليم الذي اندفع خلف صخر دون أن يلتفت، فشعرت لأول مرة بثقل أن يكون للرجل شرفٌ يدفعه إلى النزول حيث تتطاير اللكمات، وكرامةٌ تجعله ينسى أن هناك من ينتظره في الأعلى، يعدّ أنفاسه ويحصي خطواته.قالت في نفسها، وهي ترى سليم يدخل الحلقة: " ربنا يستر." لكن الكلمات بقيت حبيسة صدرها، إذ إن المسافة بين الشرفة والأرض، مهما بدت قصيرة، فهي طويلة بما يكفي ليضيع الصوت في الطريق..
وفي زاوية أخرى من الشرفة، كانت سارة وزهرة، اللتان لم تعهدا من قبل إلا شجاراتٍ مهذبة تُدار خلف الأبواب، تحدقان في المشهد بعيونٍ اتسعت دهشةً، وقد بدا لهما أن الحارة الشعبية ليست كما تُروى في الحكايات، بل أكثر قسوة، وأكثر صراحة، وأكثر فوضى مما تخيلتا قالت سارة، بصوتٍ مرتعش:
"هو اللي بيحصل ده حقيقي؟" فأجابتها زهرة، وقد شحبت ملامحها: "لو كان معايا الكاميرا كنت صورت اللي بيحصل لميس لو تعرف أن فاتها نصف عمرها خناقة في حارة شعبية مع جزارين» ولم يكن في كلامها تهكم، بل اعترافٌ مفاجئ بأن الحياة خارج الجدران المزخرفة لا تعرف ستائر تخفي عوراتها : «يعني أنت مبسوطة هنا أكثر من لندن» وفي قلب الحلقة، كان ليل واقفًا أمام ذهبية، جسده حاجز، وأنفاسه متلاحقة، فيما الرجال من حوله يتراجعون قليلًا تحت وطأة حضور صخر الذي وقف عند مدخل الحارة، لا يصرخ ولا يلوّح، بل يكتفي بنظرةٍ واحدةٍ ثقيلة، كأنها ميزانٌ يزن الرجال قبل أفعالهم.
لكن الحارة، كما قال الشدياق في وصف اضطراب الأحوال، لا تهدأ إذا هاجت، ولا تستكين إذا تحركت، بل تزداد صخبًا كلما ظنت أنها بلغت الذروة، إذ فجأةً انشقّ الجمع عن صوت حاد، تبعه وقع أقدامٍ منضبطة، عيناه تمسحان المكان ببرودٍ إداري لا يعرف العاطفة : «كفاية يا ليل» كان "صخر" يجلس على الرصيف قرفصاء ببرودٍ يستفز الصخر ذاته.عيناه جمرتان من الملل،يراقب ذلك الذي ينفخ صدره ملوحًا بسلاحه،وكأنه يراقص الموت في حضرة ملكه.لحظة الصدام .
سأل الرجل بنبرة يملؤها الغرور:«و أنت جاي في خناق مع ابنك ولا هتريح أصل شكلك كده علي أخرك»قلّب صخر عيناه بمللٍ قاتل،زفر ضيقه وكأن هذا الأحمق هو آخر ما كان ينقصه في ليلته الكئيبة،ثم ألقى برده كقذيفة مدوية:«جاي من عند أمك بعد ما ريحت أبوك ليلة الدخلة!»قهقه الجميع فتشنجت ملامح الرجل،وحرك الآلة الحادة في الهواء،لولبها ببراعة استعراضية أمام عيني صخر.لكن الأخير لم يرمش.ببرودٍ يثير الرعب، مد يده خلف أذنه اليسرى،سحب سيجارته ببطء،وضعها بين شفتيه،وهتف بوجهٍ جامد ووقاحة تقطر ثقة:«نزل القصاقة اللي في إيديك أحسن تعورك.»انطلقت ضحكات السخرية من أرجاء الحارة،لتكسر هيبة الرجل الذي وقف مذهولًا.في لمح البصر، انتفض صخر.استقام بطوله الفارع
،وبحركة خاطفة كالبرق،التف كفه الأيمن الغليظ حول رقبة الرجل،ليرفعه عن الأرض قليلًا وهو يهتف بنبرة غليظة محملة بالوعيد:«أنت بتكلم كبير الحارة هتكتر في الكلام؟ عليا الحرام من ديني لشقك نصين!»
حاول الرجل استعادة كبريائه المهدور،فتح كفيه بحركة استعراضية يائسة وقال بسخرية مهزوزة:«تصدق عجبتني؟ عليا الطلاق لصقف لك!»اتسعت ابتسامة صخر، لكنها كانت ابتسامة الموت:«عليا الطلاق ما يحصل أنا اللي هصقف لك!»لم يمهله ثانية؛ هبط بكفيه الثقيلين كالمطارق فوق أذني الرجل بقوة صاعقة.دوى صراخ الرجل المكتوم وهو يتلوى:«آه.. ودني!»أمسك صخر بأذنيه بشدة،وكأنه يغرس أصابعه في رأسه، وهتف بصرامة:«ودنك اللي سمعتني قلت كفاية وطنشِت..»ثم عاجله بضربة دقيقة في عينه،جعلت الرجل ينهار أرضًا وهو يصرخ:«آه عيني!»انحنى صخر فوقه،وظله يغطي جسد الرجل المرتعش،وقال بصوتٍ هادئ ومرعب:«عينيك اللي شافتني وخليتك تتجرأ تفتح عليا السكينة..»ساد صمت رهيب في الحارة،ولم يقطع ذلك الصمت سوى أنفاس الرجل اللاهثة وهو ينظر إلى أرغد، رئيس المباحث، قد نزل من بناية الجبالي وقد بلغه الخبر قبل أن يبلغ ذروته، فتقدم بخطواتٍ ثابتة، وقال بصوتٍ لا يعلو ولا ينخفض: "معلم صخر" كلمة واحدة، لكنها حملت من السلطة ما جعل الأيدي تنفصل، والأنفاس تتباطأ، والرجال ينظرون إلى الأرض كأنها فجأةً صارت أحق بالنظر من الوجوه أشار إلى العساكر المرافقين،فأحاطوا بالمشاجرين، ولم يفرقوا بين من بدأ ومن ردّ، إذ في نظر القانون كما في ميزان الحارة الضجيج واحد تقدّم أحدهم نحو ليل، فوضع يده على ذراعه، لكن صخر تحرك خطوة، وعيناه تلتقيان بعيني أرغد في صمتٍ قصير، صمتٍ قرأ فيه كلٌ منهما الآخر، ثم قال أرغد فأومأ صخر برأسه، لا موافقًا ولا معترضًا، بل كمن يدرك أن العاصفة إذا مرت لا بد أن تترك أثرًا، ولو كان الأثر ورقةً تُكتب في قسم الشرطة ..
ـ
تسللت إلى أذنيها لعناته المكبوتة، تخرج من بين أسنانه كأنها احتكاك نارٍ بحديد، تتكسّر على زجاج السيارة المحاصر بزحام الطريق، فيما كانت إشارات المرور تقف كحُرّاسٍ باردين يطيلون زمن الانتظار، وتكثّف الصمت بينهما حتى صار ثقيلاً، قابضاً على الأنفاس، خانقاً لأي محاولةٍ للهرب من لحظةٍ لا تبدو عابرة كما يجب.
أما صدف، فقد كانت تقاوم ارتعاشةٍ خفيفةٍ تسللت إلى أطرافها، برد الطقس لم يكتفِ بملامسة جلدها، بل انسحب إلى داخلها، إلى تلك المسافة الهشة بين القلب والصوت، فرفعت كمّ معطفها ببطءٍ متردد، كأن الحركة نفسها تحمل اعتذاراً غير منطوق، ومسحت أنفها بحركةٍ طفوليةٍ سريعة، محاولةً أن تبدو عادية، أن تخفي ضعفاً صغيراً لا يليق بمسافة الصمت المشدودة بينهما لكن دهشته جاءت فجائية، حادة، قاطعة لذلك الصمت الثقيل.«إيه القرف ده؟» لم تكن كلماته صراخاً، بل كانت أقرب إلى نفورٍ مرتبك، نفورٍ يخفي وراءه ارتباكاً لا يريد الاعتراف به، مدّ يده إلى علبة المحارم الموضوعة فوق التابلوه بحركةٍ آلية، كأن يده تعرف طريقها إليها قبل أن يأمرها عقله، ثم وضع المحرمة في حجرها دون أن ينظر إليها مباشرة، وأضاف بنبرةٍ حاول أن يجعلها ساخرة: «و المناديل قصّرت معاكي في إيه؟»تناولت المناديل الورقية بصمت، أصابعها باردة، ناعمة، ترتجف ارتجافة بالكاد تُرى، ومسحت أنفها ببطء، لكن شيئاً في انعكاس المرآة الأمامية لفت نظرها، فمالت قليلاً، عيناها اتسعتا، وتغيّر لون وجهها في لحظةٍ خاطفة، كأن الوعي بجسدها هبط عليها فجأة.
شهقت همساً، بالكاد يُسمع: «مناخيري احمرت من البرد…» قالتها لنفسها، لا له، وكأنها تواسي طفلةً داخلها تخجل من مظهرها أكثر مما تخجل من بردها في تلك اللحظة، انزلق بصره إليها عبر المرآة الجانبية، لا نظرة مباشرة، بل تلك النظرة المتخفية التي تحمل من الجرأة بقدر ما تحمل من الحذر، تأمل احمرار أنفها، ارتعاشة شفتيها، الطريقة التي تقبض بها على المنديل كأنه درع صغير، فلعق شفته السفلى ببطء، حركة لا إرادية، خائنة، كشفت انكسار قسوته أمام تفاصيلها الرقيقة همس داخله قبل أن ينطق ثم قالها بصوتٍ خفيضٍ مشوبٍ بابتسامةٍ لا تظهر كاملة: «بقيتي شبه الفلامنكو.»لم تكن السخرية في صوته خالصة، بل ممزوجة بإعجابٍ خامٍ، إعجابٍ يحاول أن يتخفى في قناع المزاح، بينما ارتسمت على شفتيها ابتسامة خجولة، صغيرة، مرتبكة، كزهرةٍ تحاول أن تتفتح في بردٍ قاسٍ، فرفعت يدها ببطء، وأزاحت خصلات شعرها خلف أذنها، حركة أنثوية عفوية، لكنها بدت في عينيه كطقسٍ كامل من الرقة ،ضغط باشا على زر رفع صوت الراديو، كأنه يهرب من شيءٍ بدأ يتشكّل في صدره، انسكبت الموسيقى داخل السيارة، ناعمة، دافئة، متسللة، فملأت الفراغ الذي كاد يفضحه الصمت، بينما استند بساعده الأيسر فوق نافذة السيارة، وراح ينظر للطريق، لكن انتباهه لم يكن للطريق أبداً كانت تدندن بصوتٍ خافتٍ يكاد يلامس الصمت أكثر مما يقطعه، حرّكت شفتيها بكلمات أغنية فيروز «سلّملي عليه»، وكأنها لا تغني، بل تستحضر ذكرى بعيدة، ذكرى لا تخص اللحظة بقدر ما تفضح إعجابها الشديد به، ثم أسندت رأسها إلى نافذة السيارة ببطء، كأن الزجاج وحده قادر على حمل ثقل أفكارها تلاقت أعينهما في المرآة الجانبية.
لم يكن لقاءً مباشراً، بل اصطداماً خفياً، انعكاساً لروحَين تحاولان الاختباء خلف زجاج ومرآة وموسيقى وزحام طريق، عيناها كانت تحمل دفئاً مرتبكاً، أما عيناه فكانت مليئة بتلك النظرة المركبة نظرة رجلٍ يقاوم انجذابه، ويخشى اعترافه، ويغضب من تأثير امرأةٍ لم تفعل شيئاً سوى أن ترتعش من البرد وتبتسم بخجل ..
وفي تلك اللحظة، صار صوت فيروز، وضجيج الطريق، وبرودة الطقس، واحمرار أنفها، وابتسامتها الخجولة، وكل تفصيلةٍ صغيرة، كأنها خيطٌ دقيق ينسج حول قلبه شبكةً ناعمة خانقة جميلة لا يستطيع الفكاك منها، ولا يملك شجاعة الاعتراف بأنه، ولأول مرة، لم يكن منزعجاً من الزحام بل ممتناً له، لأنه أطال بقاءها إلى جواره أكثر مما يجب رفعت ساعة يدها تذكرت موعد الخروج الرسمي من المدرسة: «فاضل نصف ساعة علي ميعاد الخروج من المدرسة لازم أرجع البيت»
-
في الأعلى، أطلقت الحاجة فاطمة زفرةً طويلة، كأنها كانت تحبس الهواء منذ أول صيحة، بينما وضعت ورد يدها على صدرها، تحاول تهدئة نبضٍ تصاعد كلما رأت ليل يُقتاد، ولو للحظات، إلى سيارة الشرطة، وشعرت بأن خوفها عليه لا يقل عن خوفها على صخر، وإن اختلفت أسبابهما ..
أما الحاج صالح، فشدّ على عصاه، وقال بصوتٍ سمعه من حوله ولم يسمعه من في الأسفل إلا هذه المرأة لتنسحب من المشاجرة
بدخولها بناية الجبالي اومأت ذهبية برأسها بالايجاب و تسحبت حتي دلفت بناية الجبالي..
وظلت صافي في شرفتها، تتابع سليم بعينين لا ترمشان، حتى اختفى بين الرجال، وظلت سارة وزهرة تحدقان في الشارع كأنهما خرجتا للتو من درسٍ قاسٍ في معنى الحياة خارج الكتب، فيما الحارة، التي عرفت ألف مشاجرة ومائة صلح، عادت تتنفس ببطء، كأنها تقول على عادة الأزقة القديمة إن ما حدث اليوم ليس إلا فصلًا من حكايةٍ أطول، تُكتب سطورها بالقلق، وتُختم بالانتظار ..
في زاوية الغرفة، جلست جيهان على حافة المقعد الخشبي، تضمّ الرضيع إلى صدرها، تهدهده بحركةٍ آليةٍ خاليةٍ من التركيز، كأن جسدها يؤدي فعل الأمومة بينما روحها كانت في مكانٍ آخر، مشدودةً إلى الهاتف الذي التصق بأذن صافي، وإلى الكلمات التي خرجت من شفتيها باهتزازٍ خفيٍّ لم تستطع إخفاءه مهما حاولت التماسك :«أرغد قبض عليهم كلهم، هو كمال مش بيرد عليا ليه»
لم تكن جملةً، بل صدمةً أُلقيت في قلب الغرفة كحجرٍ في ماءٍ راكد، فتوسّعت دوائرها في الوجوه، في الأنفاس، في الصمت الذي تلاها «الغبي مش بيرد عليا لازم محامي معاهم علشان يحصل صلح و يخرجوا»
توقّف تأرجح الرضيع لحظةً، كأن حتى جسده الصغير استشعر ثقل الكلمة، بينما اتسعت عينا جيهان ببطءٍ مؤلم، وارتجف جفنها ارتجافةً قصيرة، قبل أن تهمس، لا لنفسها ولا لأحد، بل للفراغ الذي بدأ يبتلع استقرارها: «قبض عليهم؟» وفي تلك اللحظة تحديدًا، تحرّكت أهداب كارين حركةً واهنة، بطيئة، متقطعة، كأنها تحاول شقّ طريقها عبر ضبابٍ كثيف، بين الوعي والغيبوبة، بين صوتٍ بعيد وآخر أقرب، بينما ظلّ جسدها ساكنًا، إلا من رعشةٍ خفيفة في أصابع قدميها الباردة التي لم تستجب لأي محاولةٍ للحركة.
لكن الصدمة لم تُمهل الغرفة فرصةً للهدوء.
اندفعت زوجات صخر الثلاث إلى الداخل دفعةً واحدة، لا كنساءٍ يدخلن غرفة مريضة، بل كعاصفةٍ بشريةٍ تحمل في ملامحها غضبًا متراكمًا، وغيرةً مشتعلة، وخوفًا لم يجد مخرجًا إلا في الاتهام توقّفن عند حافة الفراش، ونظراتهنّ تسقط على كارين كما تسقط الأحكام قبل المحاكمة، ثقيلة، قاسية، بلا رحمة صدح صوت نجوي، مشدودًا كوترٍ أوشك على الانقطاع: «عايزة تخلصي علي الرجل عايزانا نبقي أرامل شبهك»ارتجف جسد كارين، ارتجافًا خافتًا، لا إراديًا، كأن الكلمات وصلت إلى وعيها قبل أن تصل إليها الحياة كانت الجملة الأخيرة كالسوط:«أرامل شبهك»اهتزّ جفن كارين بعنفٍ هذه المرة، وانفرجت شفتيها قليلًا، بلا صوت، بينما مرّت قشعريرةٌ باردة على طول عمودها الفقري، وارتعشت أطراف أصابعها فوق الملاءة، وكأن جسدها يستجيب للجرح النفسي أكثر من المرض الجسدي
لم تنتظر جيهان وقفت فجأة، محتضنة الرضيع بذراعٍ، ورافعة ذراعها الأخرى كدرعٍ غريزيٍّ أمام جسد أمها الضعيف، وصوتها خرج مبحوحًا، مرتجفًا، لكنه حادّ: «انتم عايزين منها أيه»وتقدّمت صافي خطوةً إلى الأمام، ملامحها مشدودة، وعيناها تلمعان بتوترٍ دفاعيٍّ لم تعهده العائلة منها، كأن مشهد أمها على الفراش أعاد ترتيب أولويات قلبها دون استئذان «ياريت واحدة فيكم تتجرأ تقرب منها دي فرصة وجت لحد عندي» لكن قبل أن يتصاعد الاحتكاك، شقّ صوت الحاجة فاطمة المكان، صوتٌ لم يكن مرتفعًا، لكنه كان حاسمًا، ممتلئًا بسلطة العُمر والتجربة: «إياك حد يقرب لها.»
توقّفت الحركة تجمّدت الأيدي في الهواء.
والتفتت نجوى ببطء، بعينين تضجّان بالاستياء، وزفرت بتذمرٍ بارد: «ده أنا فرصة وجت لحد عندي علشان سليم يطلقك»
انزلقت نظرة صافي نحوها ببطءٍ محسوب، وارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ باردة، خبيثة، لا تشبه فتاةً منهارة، بل امرأةً بدأت تتقن لعبة الردّ بالكلمات: «ومين قالك إني متمسكة بابنك؟ أنا قلت له يطلقني وهو اللي متمسك بيا.» جزّت نجوى على أسنانها، وارتفع كفها فجأة، لكن يد صافي سبقتها، أمسكت بمعصمها بإحكامٍ مفاجئ، وقبضتها كانت أقوى مما توقّعت نجوى، أقوى مما توقّعت صافي نفسها قالت ببطءٍ مقصود، ونبرتها تنضح تحديًا مكبوتًا: « أول ما سليم يخرج من الحجز هننقل شقتنا نجهزها و إحنا عايشين فيها»كانت كل كلمةٍ تنطقها تسحب خيطًا جديدًا من العداوة داخل الغرفة، خيطًا مشدودًا بين زوجةٍ متمرّدة، وحماةٍ مجروحة الكبرياء، وعائلةٍ تتفكك تحت ضغط حادثٍ لم يهدأ بعد وفي خضم هذا الاحتقان، عادت الحاجة فاطمة تربت على كتف كارين:
«جات لها غيبوبة السكر ثاني»ترددت الزوجات لحظة، ثم انسحبن وهنّ يتمتمّن، تتداخل الهمسات مع احتكاك الأقمشة وصوت الخطوات المتباعدة، حتى انغلق الباب أخيرًا، وعاد الصمت، صمتٌ أثقل من الضجيج الذي سبقه انحنت الحاجة فاطمة فوق كارين، ولمست جبينها بكفٍ دافئ، بينما كانت الأخيرة تحاول تحريك رأسها بصعوبة، ورفعت يدها ببطءٍ مرهق، تشير إلى فمها.
شفاهها كانت جافة، متشققة، ولسانها أثقل من أن ينطق، وحلقها كصحراءٍ قاحلة، بينما برودةٌ غريبة تسري في أطراف قدميها، وثقلٌ نابض يضغط على رأسها، وتشوشٌ رماديٌّ يبتلع ملامح الوجوه من حولها.
همست الحاجة فاطمة، وصوتها هذه المرة لم يكن حازمًا، بل منكسرًا بحنانٍ خفي: «كارين حاسة بإيه؟» تحرّكت أهدابها ببطء، وانزلقت دمعةٌ وحيدة من طرف عينها نحو الوسادة، بينما صدرها ارتفع وهبط بجهدٍ واضح، وأشارت مرةً أخرى إلى فمها، كأنها تستجدي جرعة ماء، أو كلمة رحمة، أو راحةً من هذا الصراع الذي أنهك جسدها وكبرياءها معًا.
تنهدت الحاجة فاطمة تنهدًا عميقًا، ومررت يدها على شعرها برفقٍ مؤلم، قبل أن تهمس، وكأنها تعاتب العناد نفسه لا المرأة: «ليه العند ده حد ما ياخدش دوا السكر عشر أيام»
-
نهاية الليلة التاسعة