الليلة السابعة عشرة 2026

حارة العاشقين الليلة السابعة عشرة 2026
كان البيت العتيق يشبه صدرًا محبوسًا منذ سنين،يتنفس بصعوبة،وكل جدار فيه كان شاهدًا صامتًا على أسرار لم تُغسل يومًا بالضوء.الممر الطويل المؤدي إلى الصالة الكبرى بدا كأنه ممر محكمة،لا بيت عزاء. الهواء نفسه كان متوترًا،ساخنًا،كأن أحدهم أغلق النوافذ على فضيحة قديمة وتركها تتخمر.حتي رائحة الياسمين التي زرعتها الحاجة فاطمة في الشرفة بيديها منذ سنوات لم تعد عطرًا،بل صارت سخرية.حتى نبات الصبار،رمز الصبر،بدا اليوم مختنقًا.
كارين التي زحفت هيبتها إلى الداخل.
توقفت في منتصف الصالة كأنها تضع علمًا غير مرئي في أرض معركة.ظهرها مستقيم، وفي عينيها تصميم امرأة لا تخسر مرتين.وخلفها صافي و جيهان كأنهن طلقات رصاص هنا جاء صوت صافي المستفز المعتاد:«انتم واخدين راحتكم في البيت كأنه بيت أبوكم»
لميس رمت شنطتها على الأرض،صوت الارتطام جعل الثريا تهتز كأنها ستشهد سقوطًا تاريخيًا،ثم اندفعت:«ما هو فعلاً بيت أبونا وجدنا وعمنا أنت بقي بتنكشي علي أيه»
كل شيء حدث في ثوانٍ صافي تفادت الضربة الأولى،لتتفاجئ لميس بصفعة مدوية،المشهد تحول إلى لوحة عبثية شعر صافي متشابك في يد لميس كعب حذاء يُرفع، يصدم وجهه جيهان خدش هنا،و هناك
في الزاوية،صدف حاولت أن تكون بطلة سلام لكن حذاء لميس الرياضي الطائش أطاح بها أرضًا،لتسقط على مؤخرتها وتصرخ:«ألحقيني يا ماما»
وعلى الهام مدرجات السخرية أولاد صخر الأربعة وقفوا صفًا واحدًا،كأنهم جمهور مصارعة بينما دخول زوجات صخر الثلاث لم يكن إنقاذًا بل بنزينًا يسكب على النار.كانت فرصة لتتشاجر كل زوجة مع ضرتها ..
البيت كان يغلي من الداخل،كأن قدرًا عملاقًا نسي تحت النار منذ ساعات لميس ألقت كلماتها بقوة جعلت الثريا تهتز في السقف.ثم اندفعت نحو صافي كالسهم«أنا كنت مسافرة لكن هفضل هنا معاك و هاخد اوضتك كمان.»
اللحظة التالية كانت بداية الفوضى المنظمة.
صافي تفادت الاندفاعة الثانية،لكن لميس أمسكت برقبتها وجذبتها بقوة.انقضت عليها
جيهان، التي كانت تحاول سحب أختها، وجدت نفسها فجأة محاصرة بين زهرة وسارة.فاجأت الجميع بركلة منخفضة في ساق زهرة جعلتها تترنح.لتسقط
في الزاوية،بجانب سارة سقطتا معًا على الأرض في وضعية مضحكة،كأنهما في رقصة تانجو فاشلة.في تلك اللحظة،وصلت المعركة إلى ذروتها الكوميدية لميس وصافي تتدحرجان على السجادة،شعرهما متشابك ككرة صوف شتوية بعد دقائق بدت كساعات،
أما عن الحاج صالح خرج من الحمام بدي أقرب إلى المتفرج المذهول أشار إلى صخر بفض الاشتباك لقد إصابته الدهشة فور عودته مد يده اليمني تناول عصا والده ثم أمرهن بالتوقف علي الفور:
«بس يا غجر اسيبكم خمس دقايق أرجع الاقيكم بتموتوا بعض»
سحب لميس و صافي بعيدًا واحدة تلو الأخرى.ثم نظرا إلي حالة المنزل صمت ثقيل خيم للحظات.ثم فجأة كانت صافي تقف كملكة مخلوعة ترفض النزول عن العرش، ذراعاها متقاطعتان،تجلس على الأرض ظهرها مستند إلى مسند قدم الأريكة:«هي اللي بدأت»
لكن ساعد لميس الطائش أطاح بها أرضًا، لتسقط صافي على مؤخرتها:«و هاخد اوضتك كمان»
كانت الأنفاس في تلك الغرفة المحتقنة تخرج وتدخل كحفيف الأفاعي،بينما جدران البيت القديم تشهد على تحول المأوى إلى فخ. صخر،ذلك الرجل الذي نُحتت ملامحه من صوانِ التعب جلس يراقب تساقط الأقنعة. الهدوء الذي يسبق العاصفة لم يكن مجرد تعبير هنا،بل كان حقيقة ملموسة تُحس في ارتعاشة الضوء الأصفر الخافت.
اتكأ صخر على عصا والده، تلك العصا التي لم تكن لمساندة جسده بقدر ما كانت رمزاً لسلطته المزعزعة.تطلع إلى الوجوه التي أمامه؛وجوه تحمل من الغلّ ما يكفي لإحراق مدن،ومن الأسرار ما يهد جبالاً.قال صخر بنبرة رخيمة،مشوبة ببحّة التهديد:«هنقسم الاوض كل واحدة بتقول أنها صاحبة البيت وأنها مش ضيفة أنا عايز اشوف الكلام ده عملي شغل البيت هيتقسم عليكم أنتم الخمسة.»
نظرت إليه صافي،تلك الفتاة التي تتقن فن التلون كما تتقن تنفس الهواء.مالت برأسها، وابتسامتها الماكرة تزداد اتساعاً،وكأنها تستمتع بهذا المشهد الجنائزي.«قال يعني هيقسم التركة»
«أنا موافقة أنا كنت مأجرة شقة و عايشة لوحدي »لم تكن كلمات لميس عن استقلالها ومكوثها في شقة بمفردها مجرد "دراما" عابرة،بل كانت المفتاح الذي نبش في ذاكرة صخر قبوراً أراد إغلاقها.تذكر كلمات مياسين المرتجفة،تذكر التحذيرات من طقوس غامضة سهر و شرب و عبادة الشيطان
كانت لميس تقف كتمثال من التمرد،حقيبتها على ظهرها كأنها جندي يستعد لغزو مجهول. عيناها تلمعان ببريق غير طبيعي
فجأة انفتح باب الشقة بعنفوان،ليدخل سليم وكأنه عائد من غبار معركة ضارية خلف الحدود،يلوّح بميدالية مفاتيح الفضة بين أصابعه كراية نصرٍ مصغرة.صفق الباب خلفه بصرامة أعلنت حضوره،ثم خطا خطوتين نحو قلب الردهة،وهناك تسمّر في مكانه كأن الأرض ابتلعت خطاه.كان المشهد أمامه عبارة عن فوضى عارمة،كأن إعصاراً غير مرئي ضرب المكان وأحال ترتيبه أثراً بعد عين قطع زجاج مبعثرة،وسائد منزوعة الأحشاء على الأرض،وخصلات شعر متناثرة هنا وهناك كبقايا التحام وحشي أما الفتيات،فكانت وجوههن خارطة من الخدوش الرفيعة، وعيونهن تتأرجح في برزخ عجيب بين السخرية و القهر استنشق سليم ذهوله،وسأل بصوت خافت متهدج:«هو كان في معركة؟»
جالت عيناه بينهن كأنه يحل لغز كابوس داهم،ليأتيه صوت صخر بارداً،قاطعاً كالسكين،وهو يبتسم ابتسامة ساخرة لم تصل لعينيه:«بنات عمك الخمسة كانوا قالبين الصالة حلبة مصارعة أبقي فكرني أقدم لهم مكان الاندرتيكر و راندي اورتن!»
سقطت الكلمات على مسامع سليم كالصفعة، لكنه آثر الهروب إلى الأمام، فالتفت إليه صخر وسأله بجدية تحاول ترميم الموقف:«اشتريت العجل؟»
أجابه سليم بجمود: «اشتريته وربطته في المستودع.»
تنهد سليم وهو ينزع معطفه الثقيل،ملقياً إياه بإهمال على الأريكة،ظاناً أن الجولة انتهت. لكن نجوى لم تمهله فرصة؛اختطفت المعطف ببرق يديها،رفعته أمام أنفها،وقالت بسخرية:
«ريحته ايه مش كنت هتلبسه بكرة في المحكمة؟»
تقلص وجه صافي بتقززٍ علني،فاشتعل الغضب في عروق سليم،لكنه فضل الصمت المعتاد للرجل الذي يحمل فوق كاهله جبال التوقعات.لم تكتفِ،بل أضافت باستهزاء لاذع:
«إنت كنت نايم مع المواشي في الزريبة ولا ايه؟»
أصابته الكلمات في مقتل.هو الابن الأكبر، وقار العائلة،يُهان هكذا أمام الجميع.أدار ظهره بخطى ثقيلة،يجرّ خيبته نحو غرفته كمن ينسحب من ميدانٍ لا يشبهه.لكن لميس، بلسانها الحاد كشفرة حلاقة،لم تترك الجرح يلتئم انفجر صوتها فجأة،حاداً، مزلزلأً:«على الأقل هو سمع كلام أونكل صخر واشترى العجل وربطه انت بقي ثور بيرفس مش عارفين نربطه!»
انفجرت الضحكات في أرجاء الغرفة كقنبلة موقوتة.صافي، التي كانت تتلذذ بالإهانة، وجدت نفسها فجأة هي الأضحوكة.انتفضت واقفة كمن لدغتها عقرب،وجرت نحو غرفتها تتبعها لعنات الصمت، قبل أن تصفق الباب بقوة هزت جدران الشقة العتيقة.ساد صمتٌ ثقيل،كسرته كارين بصوتٍ مجهد:«أنا مبقتش عارفة أعتذر لمين ولا مين.»
انسحبت وراءها جيهان في صمتٍ مخجل، تاركين الساحة لصدامٍ من نوع آخر.
بقيت لميس جالسة في مواجهة يوسف تلاقت نظراتهما كسيوفٍ ترفض الغمد.كان يوسف يرمقها بنظراتٍ تفيض بالاحتقار الممزوج بالمرارة؛ثيابها الجريئة التي تكسر كل أعراف البيت،حليّها الذي يكسو أصابعها كدرع من التباهي،طلاء أظافرها الأسود كليلٍ حزين،وخصلات شعرها التي تمردت بألوانها "الأخضر،الأزرق،الأحمر" لتصيح في وجهه بالتمرد:«في حاجة» 
لم ينطق يوسف بحرف،لكن صمته كان يصرخ بتقزز غريب من مظهرها الخارجي .. 
-
نهاية الليلة السابعة عشرة 

تعليقات