الليلة الثالثة عشرة 2026
حارة العاشقين الليلة الثالثة عشرة 2026
في أروقة دار المآوي العتيقة،حيث تتسلل الرطوبة إلى الجدران كأنها دموع لا تنتهي، «أنتهيت عقوبة يا مريم».قالها المشرف حسين بصوت خافت،كمن يُعلن عفوًا عن جرم لم ترتكبه،لم ترفع مريم عينيها إليه.لم يعد في قلبها مكان للفرح بمثل هذه الأنباء الصغيرة.كل ما أرادته الآن هو أن تخرج من هذا الجحيم،أن تمشي حتى تنفد قدماها،أن تبتعد عن رائحة العفن واليأس التي تكتنف المكان:«متشكرة يا أستاذ حسين»،همست بصوت يملئه القهر،ثم استدارت وغادرت الرواق متكئة بكفها الأيمن على الحائط البارد،تعدل من حذائها المهترئ الذي كاد ينفصل عن قدمها.خطواتها بطيئة،متعثرة، كأن الأرض نفسها ترفض أن تحملها أكثر.
وفجأة،تجمدت في مكانها.من خلف باب مكتب المديرة الموارب،سمعت الحوار يتسرب كالسم.صوت المديرة،ذلك الصوت الحاد الذي يشبه صوت صفير الماء في الغلاية قبل الانفجار: «مشرف حسين،أيه اللي يتجوزها! مريم،كل يوم بيجي لها عريس من داخل وخارج الدار.لو وافقت على الجواز العرفي من عبد الرحمن بيه،هنتنقل نقلة تانية خالص. الرجل ده فلوسه،هتغرقنا تبرعات هكرر كلامي التحذير للكل مش عايزة أي غلطة في حضور باشا».
سألت المشرفة وهي تحاول توظيف مهاراتها في التلاعب بالكلمات:«نلبّس البنات؟؟»
طأطأت المديرة بشفتيها بمراوغة: «لا،خلي يشوف حالة البنات زي ما هي ممكن يدفع تبرع أكبر المهم عايزة الدار يلمع»
وضعت مريم كفها الأيسر على فمها بقوة، كأنها تخاف أن يخرج منها صوت يفضحها. دموعها انهمرَت ساخنة على وجنتيها،تلسع بشرتها كأنها قطرات حمم.قلبها يخفق بعنف، كأن يداً خفية تعصره داخل صدرها.
"عبد الرحمن" سمعت عنه من قبل.رجل في الخمسينيات من عمره،ثري، متزوج، له أبناء في سنها،يأتي إلى الدار بين الحين والآخر يوزع هدايا صغيرة علي الفتيات.كان ينظر إليها دائمًا بنظرة تجعل جلدها يقشعر.وفي كل مرة،كانت تهرب منه،تختبئ في المطبخ أو في المخزن،حتى يغادر.والآن،يريدون بيعها له.جواز عرفي.ورقة تُكتب في دقائق، تُخفى في درج،وتُصبح هي بعد ذلك ملكًا له، سلعة يزورها متى شاء،يأخذ منها ما يشاء، ثم يعود إلى بيته وزوجته وأبنائه.
تراجعت مريم خطوتين إلى الخلف،ظهرها يصطدم بالحائط.تنفسها متقطع،عيناها تتسعان رعبًا.سمعت خطوات تقترب من داخل المكتب،فانحنت بسرعة واختبأت خلف عمود متآكل في الرواق.خرجت المديرة،تُعدل نظاراتها،ثم نادت بصوت عالٍ: «يا بنات! أجمعوا في الصالة!هيجي ضيف مهم في الطريق!»
بدأت الفتيات يتجمعن،أجساد نحيلة،وجوه شاحبة،عيون خاوية. بعضهن يهمسن،بعضهن ينظرن إلى الأرض.مريم بقيت مختبئة،تراقب من بعيد.التفتت وركضت.لم تفكر.لم تخطط. ركضت فقط.عبرت الرواق،دفعَت الباب الخلفي الذي كان مواربًا دائمًا..
ـ
كانت غرفة المعيشة مضاءة بضوء مصباح واحد خافت،يلقي ظلالاً طويلة على الجدران. جلس سليم على الأريكة،الأوراق القانونية مبعثرة حوله كأنها أمواج بحر هائج.كان يغوص في كتابة مرافعته،قلمه يجري على الأوراق بحماسة،عيناه الداكنتين تحترقان بنار التركيز،جسده مشدود،عضلات ذراعيه تبرز تحت قميصه المفتوح قليلاً عند الصدر، ونفسه يخرج ثقيلاً مع كل سطر يكتبه.كان يعرف أن هذه الكلمات قد تنقذ حياة إنسان، لكنه في أعماقه كان يعرف أيضاً أن هناك معركة أخرى يخوضها كل ليلة،معركة مع نفسه...ومعها..
دخلت صافي الغرفة كظلٍّ صامت،خطواتها على السجادة لا تُسمع إلا همساً خفيفاً.كانت ترتدي ثوب نوم حريرياً رقيقاً يلتصق بمنحنيات جسدها،خصلات شعرها المموجة تتدفق على كتفيها كشلال.في يدها كوب قهوة ساخن،بخاره يتصاعد كأنفاس حارة في الهواء البارد.توقفت لحظة عند الباب، تنظر إليه وهو غارق في عالمه،غير مدرك لوجودها.شعرت بغيرة حارقة تجتاح صدرها، غيرة من تلك الأوراق التي تأخذه منها،من تركيزه الذي يجعله بعيداً رغم قربه الجسدي. قلبها كان يدق بعنف،وفي داخلها رغبة جامحة،مؤلمة،أن تكسره،أن تراه يفقد تماسكه،أن ينظر إليها بنفس النار التي ينظر بها إلى قضاياه.اقتربت ببطء متعمد،وضعت الكوب على حافة الطاولة،ثم... بإيماءة خفيفة من يدها،أمالته. انسكبت القهوة الساخنة كشلال بني على الأوراق،تغرق الحبر، تلطخ السطور،تمحو كلمات كتبها بعرق ساعات طويلة.انتفض سليم كأن لدغة أفعى اجتاحته،وقفز واقفاً، عيناه تشتعلان غضباً وصدمة:
"أنت اتجننت؟!بقالي ساعات بكتب في المرافعة...!"
لكن صوته لم يكن غضباً خالصاً.كان فيه شيء آخر، اهتزاز خفيف،كأن الغضب يخفي شوقاً أعمق.اقترب منها خطوة،جسده قريب جداً الآن،يشعر بحرارتها،برائحتها التي تملأ رئتيه.نظرت إليه صافي بعينين تلمعان بدموع لم تسقط بعد،شفتاها ترتجفان قليلاً.ابتسمت ابتسامة مريرة،صوتها خافت لكنه يحمل تحدياً جنسياً خفياً:
"تستاهل!."
كانت تقف قريبة جداً،صدرها يعلو ويهبط بسرعة،تشعر بنفسه الحار على وجهها. الأوراق المبللة بينهما كحاجز هش،لكن الهواء بين أجسادهما كان مشحوناً بكهرباء لا تُطاق.
اقترب سليم أكثر،يده ترتفع تلقائياً كأنها تريد أن تمسك بذراعها،لكنه توقف في آخر لحظة. صوته انخفض إلى همس مبحوح،يرتجف من العاطفة المكبوتة:
"أنت كنت قاصدة؟"
ارتجفت صافي،جسدها كله يرتعش من قربه، من رائحة عطره الممزوجة بعرق التركيز. شعرت برغبة جامحة أن تلقي بنفسها في حضنه،أن تمزق ما بينهما من حواجز،لكن العناد والخوف كانا أقوى.رفعت ذقنها،صوتها يخرج متحدياً رغم الدموع التي بدأت تترقرق:«كنت قاصدة علشان بتدخل في حياتي أنت مالك اعزم خطيبي ولا لأ»
في تلك اللحظة،انتبهوا أفراد الأسرة الذين كانوا في زاوية الغرفة إلى التوتر الذي يملأ الهواء كدخان كثيف.كارين توقفت متجمدة، يدها على فمها،عيناها واسعتان من الصدمة، لا تفهم تماماً لكنها تشعر بشيء خطير يحدث. صخر عبس قلقاً ومصدوماً من هذا الاشتباك الذي يتجاوز حدود المألوف.أما جيهان،فكانت تنظر بعينين واسعتين،ترى ما لا يجرؤ الآخرون على رؤيته: نار الحب الجسدي والعاطفي تشتعل بينهما،رغبة عارمة تكاد تحرق الغرفة بأكملها:
«قلت لك أنت أختي الصغيرة وأنا اخوكي الكبير يعني مسؤولة مني بعد عمك وجدك»
ساد صمت ثقيل،يقطعه فقط صوت أنفاسهما المتسارعة.ثم اقترب سليم خطوة أخيرة، وجهه على بُعد سنتيمترات من وجهها،عيناه تغرقان في عينيها:
«وقلت لك أعزمي خطيبك وقربت ميعاد كتب كتابك يعني عملت اللي عليا متضايقة مني ليه»
لم تستطع صافي الرد.جسدها كان يرتجف بعنف الآن،تشعر بحرارته تخترقها،بيده التي اقتربت أكثر فأكثر حتى كادت تلمس خصرها. دموعها انسابت أخيراً،ساخنة على خديها، لكنها لم تبتعد.بقيت واقفة،عيناها مثبتتان في عينيه،كأنها تنتظر أن يتجاوز هو الخط الأخير
تدخلت نجوى أخيراً بصوت مرتجف قليلاً:
«كفاية خناق.»
لكن لا سليم ولا صافي التفتا إليها.كان العالم قد تقلص إلى مساحة صغيرة بين أجسادهما. تنفس سليم بعمق،صوته همساً أجشاً لا يسمعه سواها:
"أخرجي من الأوضة أحسن لك."
ارتعشت شفتاها،ويداها ارتفعتا تلقائياً كأنها تريد أن تضعيهما على صدره،لكنها أمسكت نفسها في آخر لحظة.استدارت بسرعة، دموعها تسيل بغزارة الآن،وهربت من الغرفة كأنها تهرب من نفسها.
بقي سليم واقفاً،صدره يعلو ويهبط بعنف، عيناه محترقتان بشوق لا يُطفأ.الأوراق المبللة متناثرة عند قدميه،لكنها لم تعد تهمه. كان قلبه هو الذي غرق الآن،غرق في بحر من الرغبة والألم والحب الذي لم يُنطق به بعد، لكنه كان يصرخ في كل خلجة من جسده.
وفي الغرفة،بقي أفراد الأسرة صامتين، مصدومين،يدركون أن ما شاهدوه لم يكن مجرد خلاف... بل كان لحظة انكشاف قلبين يحترقان لبعضهما،ويخافان من أن يحترقا معاً.
ـ
داخل القاعة الرئيسية،جلست النزيلات على مقاعد مكسورة،كأنها تعاقب المبنى على صمته الطويل أمام أجسادهن النحيلة ملفوفة بثياب بالية،وجوههن شاحبة كورق قديم. مريم كانت في الزاوية،عيناها السوداوان تحترقان بغضب مكبوت،قلبها يخفق بعنف وهي تتذكر ما سمعتْه شعرت مريم بغثيان يعلو في حلقها،خوف يمزقها من الداخل، لكنها رفعت رأسها شامخة.حسين المشرف الشاب،كان يقف قريبًا،عيناه مليئتان بإعجاب يحاول إخفاءه،وقلق يأكل قلبه.كان يحبها سرًا،يعطيها قطع خبز إضافية،يدافع عنها أمام المديرة،لكنه يعرف أنه عاجز أمام خطتها القذرة.
دوى صوت السيارات خارجًا،ومعها ضجيج الكاميرات.دخل "الباشا الصغير"، ببدلته الأنيقة،بتسم ابتسامة دبلوماسية.حاشيته تحيط به،والصحفيون يلتقطون الصور. توقفت ابتسامته فجأة حين رأى النزيلات: عيون غائرة،أجساد هزيلة،سعال جاف يقطع الصمت،ملابس ممزقة تكشف عن جروح الفقر.صُعق.كان يتوقع مشهدًا مرتبًا للدعاية، لكن الحقيقة ضربت وجهه كصفعة.غضب يغلي في صدره،ذنب يخنقه، شفقة تجعله يريد الصراخ. "كيف سمحتُ لهذا أن يستمر؟" فكر، وهو يرى فتاة تختبئ خلف أخرى.
اقترب من النزيلات،يحاول استعادة هدوئه، لكن عيناه التقتا بعيني مريم.كانت تنظر إليه مباشرة،بدون خوف ظاهري،لكن يديها ترتجفان على حجرها:
«صورونا معاه ونزلوا الصورة في المجلة علشان الحملة الإنتخابية تنجح»
تجمد الباشا،وجهه يحمر،عيناه تضيقان غضبًا.الصحفيون توقفوا عن التصوير لحظة، والمديرة هرعت تقترب:
"أنا هنا علشان أساعدكم!" همس باشا الصغير بصوت خشن،يقترب منها خطوة، يريد أن يقول "أنا هنا لأساعدكم، وأنتِ تردين الجميل بهذا الوقاحة؟!"
"تساعدنا؟!" صاحت مريم، تقف فجأة رغم يد حسين التي امتدت لتمنعها،صوتها يعلو كالرعد، دموع الغضب تحرق خديها:
"بلاش تمثيل!"
"تمثيل وأنت تعرفي عني أيه علشان تتهميني بالتمثيل!" زمجر الباشا،صوته يرج القاعة، يمسك بذراعها بقوة حتى تأوهت،عيناه مليئتان بالغضب والصدمة:
أخبرته مديرة المآوي أنها مجرد فتاة مجنونة تبحث عن الدراما:
«أنا آسفة لحضرتك»
" سيب أيدي؟!" صاحت مريم، تدفعه بكل قوتها حتى تراجع،غير مبالية بالكاميرات أو بالمديرة التي تصرخ الآن
«المديرة عايزة تبيعنا لمين يدفع أكثر وأنت جاي تكمل علينا تتصور علشان نجاح حملتك الانتخابية يعني أنتم الاتنين متفرقوش عن بعض»
"محدش يقرب لها!" صرخ الباشا فجأة،يدفع يد حاشيته،مزيج من الغضب والذنب يمزقه
ترك ذراعها فجأة،يتنفس بعنف.نظر إلى الكاميرات التي الآن تسجل كل شيء،ثم إلى مريم التي تقف شامخة رغم دموعها.شعر بقلب يتمزق إعجاب بجرأتها يمزق قناعه السياسي،غضب من نفسه لعلمه الضمني بالفساد،ذنب يخنقه لأنه جزء من النظام.
"أنت لسة متعرفنيش"، قال بصوت خشن، يدير ظهره بعنف، يعدها بحرق هذا المكان إن لزم الأمر! غادر وسط صمت مطبق،لكن مريم بقيت واقفة،مشاعرها تتصارع بعنف إنتصار صغير،خوف أكبر من انتقام المديرة،ونظرة حسين المليئة بالحب المكبوت والعجز. أما المديرة،فقد همست لمريم وهي تمر بجانبها:
«حسابك تقل يا مريم»
كانت الليلة خانقة،ثقيلة الهواء، كأن السماء نفسها تزنرت بحزام من الغمام الأسود فوق مدينة الأيتام.في دار الرعاية التي تحمل اسمًا براقًا يخفي وراءه جحيمًا من الإهمال والفساد،كانت مريم تسمع أنين الريح وهي تتسلل من شقوق النوافذ المكسورة.عيناها الواسعتان، اللتان تحملان بريق التحدي لم تعد تحتمل قيود المديرة،تلك المرأة ذات الابتسامة المصطنعة والقلب الجاحد،نظرات الطمع التي تسللت إليها من بعض الزوار الأثرياء.كانت تعرف،من همسات الفتيات الأخريات، أن مصيرها يُباع ويُشترى في صفقات سرية، وأنها إن بقيت ليلة أخرى، فسوف تُسلم إلى مصير أسود لا رجعة منه.
في ذلك اليوم، زار الدار "الباشا الصغير"، كما يلقبه الناس في المدينة،مرشح انتخابي طموح يبني حملته على صور الرحمة والكرم. جاء محاطًا بكاميرات الصحافة الزائفة ويبتسم ابتسامات صفراء، يتحدث عن مستقبل الأيتام.لكن مريم رأت في عينيه بريق السياسي الذي يرى فيهم مجرد أرقام في خطاباته.وعندما غادر، رأت فرصة الخلاص.في الفناء الخلفي،حيث يبتلع الظلام الأصوات والأسرار،كانت سيارته الفارهة تستعد للمغادرة.السائق يحمّل الملفات الرسمية للنزيلات بأمر منه.قلب مريم يخفق كطبول حرب بعيدة،اقتربت بخفة قطة برية، ودفعت نفسها داخل أكبر صندوق،ملتفة حول جسدها النحيل،وأغلقت الغطاء عليها بيد مرتجفة.الظلام داخل الصندوق كان كالحًا، رائحة الورق القديم والجلد تخنق أنفاسها، لكنها عضت على شفتيها وصمتت.
انطلقت السيارة،ومع كل اهتزاز على الطريق الوعر،كانت مريم تشعر أن قلبها سينفجر. تخيلت ألف مرة أن يُكتشف أمرها،أن يُفتح الصندوق في الطريق،أن تُعاد إلى الدار مقيدة.لكنها تمسكت بالأمل الرفيع،كمن يتمسك بخيط عنكبوت في عاصفة.ساعة كاملة مرت،أو ربما أكثر يتحدث في الهاتف
ارتفع صوته مع أحد المسئولين محاولاً الآخر تهدئة الموقف:
«اهدي يا باشا هبعت لجنة كاملة الموضوع ميجيش كده ده دار رعاية»
كان في عينيه بريق تحدٍ، وفي صوته نبرة رجل يظن أنه يملك مصائر الآخرين:
«لو أخدت معاك لجنة المديرة مش سهلة هتحاول تداري المصايب اللي عملاها في الدار»
لحظة صمت ثقيلة خيّمت على المكان.
مريم أغمضت عينيها،ثم فتحتها كمن اتخذ قراراً لا رجعة فيه:
«كنت ظلماه»
هنا بدأ الصراع الحقيقي باشا الصغير يظن أنه يمسك بالخيوط،لكن مريم تضعه أمام اختبار إنساني لا يمكن تجاهله توقفت السيارة أخيرًا أمام منزل مضاء بأنوار كاشفة، يقع في ضاحية هادئة من المدينة.
نزل السائق حيث أمره باشا الصغير:
«هات الملفات من شنطة العربية»
«حاضر يا باشا»
رفع غطاء الصندوق الذي تختفي فيه مريم، شهق مذهولاً،عيناه تتسعان كأنه رأى شبحًا. قبل أن يصرخ،انبثقت مريم كطائر مذعور، قفزت خارج الصندوق،ووقفت أمام الباشا الصغير الذي كان يراقب العملية من على درج المنزل،هاتفه في يده.لكنه تجمد في مكانه حين رآها كيف لفتاة صغيرة في السابعة عشرة من عمرها أن تهرب من دار الرعاية،لكن عينيها مشتعلتان بنار الجرأة والغضب،اقترب الحراس فورًا، يدا واحد منهم على كتفها،لكن الباشا رفع يده ببطء، يوقفهم:
"محدش يقرب لها!"
رفعت مريم رأسها،صوتها متقطع لكنه حاد كسكين: «سمعت مكالمتك في العربية،كنت فاكرة أنك هتمشي ومش هترجع شبه ما غيرك عمل»
تجمد الباشا،شعر كأن كلماته الدعائية التي ألقاها ذلك الصباح في المجلس تتهاوى أمامه كبيت من ورق.كان يرى الأيتام دائمًا من بعيد، في صور فوتوغرافية أو تقارير رسمية.أما الآن، فهذه الفتاة الحقيقية تقف أمامه، جسدها يرتجف من البرد والخوف،لكن كلماتها تخرج كالرصاص.
"هربت من الدار؟" كرر باستهزاء خفيف يخفي ارتباكه،
تقدمت مريم خطوة،رغم أيدي الحراس الجاهزة: "هربت ومش ناوية اعملك مشاكل هدور علي وظيفة شريفة أعيش منها"
صمت الباشا لحظة طويلة،يحدق فيها.في داخله،دار صراع عنيف.كان يعرف شيئًا عن فساد المديرة؛سمعه في همسات المسؤولين، لكنه تجاهله لأنه لا يمس حملته الإنتخابية. الآن، هذه الفتاة تجبره على المواجهة.إن أعادها،ستغلق القضية بسهولة،وسيواصل طريقه نحو المنصب.أما إن استمع إليها،فقد يفتح بابًا من الجحيم الإعلامي والسياسي قد يدمر كل شيء بناه.
"أدخلي"، قال فجأة، صوته منخفضًا،وأشار نحو باب القصر. نظر الحراس إليه بدهشة، لكنه أصر: "ادخلي، هنكمل كلامنا."
دخلت مريم، قلبها يدق بقوة،غرفة الضيوف الفخمة كانت مضاءة بأنوار خافتة،جدرانها مزينة بلوحات وصور تذكارية لامرأة وطفلة صغيرة،جلس على أريكة جلدية،وأشار لها بمقعد مقابل.
"أقعدي واحكي لي كل حاجة"، قال،عيناه تتفحصانها بحذر.بدأت مريم تروي عن الجوع اليومي، عن الضرب الخفي،عن الصفقات السرية في مكتب المديرة،عن الزوار الذين يختارون الفتيات كما يختارون سلعًا في سوق.كانت تتحدث بتدفق،دموعها تسيل لكن صوتها لا يضعف. وهو يستمع،وجهه يتغير تدريجيًا؛الارتباك يتحول إلى غضب، ثم إلى شيء أعمق شعور بالذنب.
وقف باشا الصغير فجأة،يمشي ذهابًا وإيابًا في الغرفة.كان يفكر في الصحافة،في خصومه السياسيين، في مستقبله.لكنه نظر إليها مرة أخرى، رأى في عينيها مرآة لضميره المدفون:
"هتفضلي هنا الليلة الوقت أتأخر الاوضة اللي هناك نامي فيها وعندك المطبخ و الحمام تصبحي علي خير"
اومأت مريم برأسها كطفلة صغيرة عندما رأته ممدد علي الأريكة بجسده تارة رأت الأرجوحة المتهالكة من النافذة الخلفية، تتمايل وحدها في ظلام الحديقة،حبالها المهترئة تئنّ بصوتٍ خافت كأنها تبكي. جوارها،حمام السباحة الفارغ،قاعه متشقق كقلبٍ انفطر تارة أخرى:
«حضرتك هتنام هنا»
عادت بعينيها إلى المنزل الفخم،فبدت جدرانه فجأة كقبرٍ مزخرف.كل زاوية فيه تحمل غياباً،كل مصباح يضيء على فراغ:
«بقالي سنتين النوم متحرم عليا»
ـ
نهاية الليلة الثالثة عشرة
تعليقات
إرسال تعليق