اللحظة الرابعة 2026
لحظات أنوثة اللحظة الرابعة 2026
كان الليل ساكناً،والمدينة تغفو خلف النوافذ، حين ألقى آدم ببصره نحو النقود المبعثرة فوق الكومود،كأنها وعود صغيرة بالنجاة. تمتم في سرّه،كمن يخاطب نفسه:
«أركب أتوبيس الشركة».
ثم انحدرت عيناه إلى الهاتف والكاميرا المستلقيين على المنضدة،أدواته التي شهدت محاولاته الأولى في الإمساك بالضوء.همس بمرارة:
«أبيعهم».
لكن صدى كلمات أبيه القديمة ارتطم بجدار ذاكرته:
«هتفضل طول عمرك فاشل».
كلمات كالسياط،غير أنها أيقظت في داخله عناداً خفياً،فاستعاد صورة هوايته الأثيرة، التصوير الفوتوغرافي،ورأى نفسه يطل على عالم الإعلانات، يزرع الضوء في وجوه الآخرين، ويحوّل اللحظة إلى خلود.
مدّ يده إلى علبة السجائر،التقط واحدة، ووضعها بين شفتيه،كأنها استراحة قصيرة من صراعٍ طويل بين الحلم والخذلان.
..ها هي كارمن،في عتمة ليلها،تفتح نافذة صغيرة على العالم عبر شاشة الهاتف.يتدفق أمام عينيها موكب العارضات،أجسادهن تنساب على منصات الأزياء كأنها أمواج من حرير،فتبتسم ابتسامة خجولة،كمن يلمس سرابًا طالما راود قلبها.كانت تعرف في أعماقها أنها امرأة،مرغوبة،جديرة بالفتنة والدهشة،لكن قسوة الأيام دفعتها إلى أن ترتدي درعًا من الفظاظة،وأن تتكلم بلسانٍ غليظ،وأن تخفي أنوثتها خلف ستار الرجولة المصطنعة،كأنها تحرس نفسها من انكسار محتمل.وفجأة،كأن القدر يطل من هامش الصفحة،يسطع أمامها إعلان مبوب،بسيط في كلماته،لكنه عميق في أثره:
"مطلوب وجه إعلاني جديد ملامح شرقية."
توقفت أنفاسها لحظة،كأن الكلمات نُسجت لها وحدها.شعرت أن الإعلان ليس مجرد دعوة للعمل،بل نداء خفي إلى روحها،إلى تلك المرأة التي طالما خبأتها تحت طبقات من الصلابة.بين اليأس الذي ينهشها والرغبة في أن تخلق ذاتها من جديد،ارتجف قلبها،كمن يقف على عتبة حلم قديم،يتساءل إن كان له أن يولد من الرماد،ويصير وجهًا يضيء في عيون الآخرين.
..نفث آدم دخان لفافته كأنما يطرد من صدره غبار الأيام الثقيلة،ثم ترك أصابعه تنقر على لوحة المفاتيح في بحثٍ صامت عن نافذة جديدة للحياة،وظيفة تقيه رتابة أرشيف والده الذي يبتلع أحلامه في أدراجٍ باردة.
كانت صورته الشخصية مرفقة بملفه،صورة عابرة لم يظن أنها ستثير شيئًا،فإذا بصاحبة العمل تقتحم صمته بجرأةٍ لافتة:
«اللي في في الصورة أنت يا آدم؟»
أجابها بمللٍ يخفي خلفه ارتباكًا خفيًا:
«أنا اللي في الصورة.»
ابتسمت هي ابتسامةً تحمل وقاحةً مغرية، كأنها تختبر حدود صبره،ثم قالت:
«أنت وجهً إعلاني يا آدم.»
زفر آدم،كأنما يرفض أن يُختزل حلمه في ملامح وجهه،وردّ بحدةٍ هادئة:
«أنا أقدّمت لوظيفة مصوّر،مش موديل.»
لكنها لم تتراجع،بل أرسلت كلماتها كسهامٍ مموهة بالمديح:
«براحتك…تصويرك جميل،شبهك.»
تردّد صدى كلماتها في داخله،بين سخريةٍ ودهشة،بين يأسٍ من أن يُفهم وبين رغبةٍ خفية في أن يُرى.فكتب أخيرًا بمراوغةٍ تحمل وعدًا غامضًا:
«لما أجي،هتشوفي تصويري على الطبيعة.»
كأن القدر قرر أن يرفع الستار عن مسرحية عبثية،حيث تتقاطع خطوط كارمن وآدم في لحظة واحدة،لا هي مأساة خالصة ولا هي كوميديا بريئة،بل خليط يثير الضحك والشفقة معاً.
..تحولت كارمن إلى ملكة مأدبةٍ بلا ضيوف. المقرمشات تحيط بها كجنودٍ أوفياء، وبرطمان النوتيلا في يدها كصولجانٍ ملكي. كانت تمضغ بعنف،كأنها تنتقم من العالم،لكن فجأة توقفت،رفعت رأسها نحو السقف، وصرخت بصوتٍ مبحوح:
"مش هيوفقوا عليا معروفة يعني!"
ثم انفجرت في ضحكةٍ هستيرية،ضحكةٍ تشبه بكاءً مقنّعاً،حتى بدا المشهد كلوحةٍ كلاسيكية عن امرأةٍ تحارب أشباحها بالشوكولاتة.
..في نفس اللحظة،كان آدم على سريره،يحدق في هاتفه كمن يقرأ نبوءةٍ خطيرة.صوت المرأة لا يزال يتردد في أذنه،يروي له حكايات كأنها مأساة يونانية..
ضحك ضحكةً قصيرة،لكنها سرعان ما تحولت إلى سعالٍ مكتوم،كأن جسده يرفض المشاركة في هذه الكوميديا السوداء..
..وفي لحظةٍ عبثية، كأن الزمن قرر أن يعبث بهما،التقت نظراتهما عبر سقفين متوازيين. هي تضحك وتبكي في آنٍ واحد،وهو يضحك ويسعل في آنٍ واحد.كلاهما يحدق في الفراغ،كأنهما يراقبان بعضهما من خلال جدارٍ وهمي..
لكن القدر جمعهما في مشهدٍ واحد،حيث الضحك والبكاء يتعانقان،وحيث التراجيديا تتحول إلى سخرية،والسخرية تتحول إلى قدرٍ لا مفر منه..
وفجأة،كأنهما متصلان بخيط غير مرئي،رفعا رأسيهما في اللحظة نفسها،وخرجا بجملة واحدة متزامنة،كأنها إعلان مسرحي:
"ميعاد المقابلة في وقت الشغل!"
وفي النهاية، أغلقا الهاتف وهما يضحكان، وكل واحد منهما مقتنع أن الغد لن يكون مجرد يوم عمل في الأرشيف،بل عرض مسرحي حيّ مليء بالكوميديا غير المقصودة..
ـ
نهاية اللحظة الرابعة
تعليقات
إرسال تعليق