اللحظة الثالثة 2026

لحظات الأنوثة اللحظة الثالثة 2026
خطواتها كانت كأنها تُقاس بميزان القدر، كل خطوة تحمل ارتجافة قلبٍ يوشك أن ينكشف سره. يدها المرتعشة لامست مزلاج الباب، وما إن دار في قبضتها حتى ارتسمت صورته في المرآة، كطيفٍ يتحدث إلى الغياب، صوته يعلو عبر الهاتف، حادًّا كالسيف، يقطع الهواء بصرامةٍ لا تعرف الرحمة.  
حين استدار، كان السؤال الذي خرج من فمه أشبه بسهامٍ تخترق جدار الصمت:  
"أنتَ مَين؟"  
ارتجفت، ولعقت شفتيها كمن يبتلع خوفه، وأجابت بصوتٍ متلعثم:  
"أنا كرم... الموظف الجديد."  
كانت الأنفاس تضطرب في صدر "كارمن" التي تتخفى في زي "كرم"، ذلك القميص الواسع والبنطال الفضفاض لم ينجحا تماماً في إخفاء ارتجافة أنوثتها أمام سطوة حضور "آدم". الغرفة الضيقة في قبو الأرشيف لم تكن مجرد مكان للعمل، بل تحولت إلى ساحة معاركة صامتة، مشحونة بتوترات لم تألفها من قبل.
جلست كارمن على الكرسي الخشبي الصلب، تشعر بأن جدران الغرفة تضيق عليها. كان آدم يقف قريباً جداً، لدرجة أنها استنشقت رائحة عطره التي اختلطت برائحة الأوراق القديمة، مما زاد من نبضات قلبها اضطراباً. حاول التركيز على الآلة الكاتبة التي أمامه، بينما كانت أصابعها ترتعش.
عندما سألها بلهجته الواثقة: "بتعرف تكتب على الآلة الكاتبة؟"، شعرت أن صوتها قد خذلها. ابتلعت ريقها بصعوبة، وصورة أصابعه وهي تلامس تلك الأوراق في حين كانت غافلة لا تزال تحرق جلدها. لم تكن تعلم أن تلك اللمسة كانت لحظة إعلانه الانتصار، لحظة أدركت فيها أن "كرم" ليس إلا فخاً لها وهي ترتدي قناع الخشونة.
آدم لم يكن ينظر إليها كموظف عادي؛ كان يراقب كل حركة، كل ارتباك، وكل لفتة غريبة. "الآن فهم" أنتهي من كتابة الأوراق وجلس فوق سطح المكتب الخشبي، ليصبح مستواه أعلى منها، يطل عليها بنظراته الصقرية التي تحمل مزيجاً من الرغبة والتلذذ باكتشاف سرها.كان يلعق شفتيه بعادة عفوية لكنها بدت لكارمن كتهديد صريح. كان يستمتع بضعفها، وبمحاولاتها اليائسة لتصنع دور الرجل الشجاع بينما عيناها تفيضان بدموع الخوف من "الكوابيس" التي تلاحقها.
كارمن: كانت تعاني من تمزق داخلي. هي بحاجة للعمل، بحاجة للأمان، لكنها تجد نفسها في عرين رجل يرى ما وراء الثياب. كلما اقترب، شعرت بذلك الصداع النصفي يشتد، ليس ألماً جسدياً فحسب، بل هو انعكاس لرفض عقلها لهذا الموقف المحرج.
لحظة المكاشفة الصامتة
عندما قال لها بلهجة غامضة: "مردتيش عليا يا كرم"، لم تفهم في حينها خبث المعنى، لكن نظراته الآن وهي تجلس في مكانها الضيق جعلت جسدها ينتفض. الغرفة التي كانت تشتكي من ضيقها، أصبحت الآن سجناً يجمعهما.حاولت الهرب من حصار نظراته بالحديث عن العمل: "هعلمك تكتب على الآلة الكاتبة.."
لكنها قاطعته بابتسامة عرضت صفوف أسنانها البيضاء، ابتسامة تقول الكثير دون أن تنطق بكلمة واحدة وأن هذا التنكر ليس إلا ستارة رقيقة ستتمزق مع أول مواجهة حقيقية بينهما.كانت كارمن تشعر بالخجل الذي يصبغ وجنتيها باللون القرمزي، بينما كان آدم يشعر بنشوة الصياد الذي أحكم الحصار. لم يكن يريد كشفها فوراً؛ كان يريد استنزاف صبرها، ومراقبة تلك المشاعر المتضاربة وهي تطفو على سطح حديثها المتردد.
"أقعد مكاني يا كرم.."
جملة نطقها آدم بهدوء مستفز، وكأنه يضع اللمسات الأخيرة على رواية هو كاتبها وهي بطلتها المكرهة. في تلك اللحظة، لم يكن الورق أو الأرشيف هو المهم، بل كان ذلك التيار الكهربائي الذي يسري في الهواء بينهما، ينذر بأن القادم لن يكون مجرد يوم عمل عادي، بل هو بداية لغرق كارمن في بحر آدم الذي لا يرحم.
"كرم" الاسم المستعار لم يكن سوى قناع هشّ، سرعان ما بدأ يتصدع أمام نظراته الثاقبة. جلست خلف مكتبه، تراقبه بعينين لا تعرفان السكون، تتشبث بخيوطٍ واهية من الشجاعة، تخفي خلفها صداعًا ينهش رأسها وأحلامًا مكسورة تطاردها في الليل.  
كانت الملفات المكدسة حولهما شاهدةً على ارتباكها، وعلى صمته الذي يقطر استفهامًا غامضًا. كل حركة منها كانت تُثير فيه شكًّا، وكل ارتجافة تُشعل فضوله. وحين لمح الشامة على عنقها، انكشفت الحقيقة أمامه كوميض برقٍ في ليلٍ طويل: لم يكن "كرم" رجلاً، بل امرأة تتخفى تحت عباءة الرجولة.  
ابتسم ابتسامةً تحمل مزيجًا من الخبث والانتصار، كمن اكتشف سرًّا دفينًا، ثم اقترب منها، يحيطها بفضاءٍ ضيقٍ يزداد اختناقًا. لم يلمسها، لكنه حاصرها بنظراته، بصوته، بسطوة حضوره. لم يعرف حتي الآن أن اسمها الحقيقي هو كارمن، وأن كل ما مضى لم يكن إلا مسرحيةً من خوفٍ وادعاء.  
ارتبكت، تلعثمت، حاولت الهرب، لكن صوته تبعها كظلٍ لا ينفك عنها:  
"من ماذا تهربين يا كارمن؟ من الحقيقة... أم مني؟"

خرجت مسرعة، تلهث كطريدةٍ أفلتت من الصياد، بينما هو يقف عند شرفته، يرسل إليها وعدًا غامضًا، أشبه بإنذارٍ أو دعوةٍ إلى قدرٍ محتوم ..
لم يعد العمل يعني له شيئًا، فقد بدأت لعبة جديدة، لعبة الأقنعة والهوية، لعبة الشغف الذي يتربص خلف كل كلمة وكل نظرة.  
وفي ليلٍ آخر، بعيدًا عن الأرشيف، كان هو يلهو بعابراتٍ لا يتركن في قلبه أثرًا، بينما هي، في وحدتها، تلتهم الطعام بشراهة، كأنها تحاول أن تملأ فراغًا لا يُملأ، وتطرد خوفًا لا يزول. ذكريات الماضي تنهشها، كوابيس الأب العنيف، والأم المقهورة، والطفولة التي أُجبرت فيها أن تكون "رجل البيت".  
لكن القدر، الذي جمعها بآدم، لم يكن يترك لها خيارًا. فالهاتف يرن، وصوته يتسلل إليها من جديد، هذه المرة أكثر رقة، أكثر قربًا، كدواءٍ يُسكّن صداعها، وكجرحٍ يُعيد فتحه في الوقت نفسه.  
ـ
-ليلة "المنحوس" و "المتوحشة"ـ
في غرفة آدم.. حيث يتبخر البرستيج
داخل غرفته التي تفوح برائحة الفوضى والتبغ، كان آدم يحاول استعادة وقاره الضائع بعد أن قطع رنين الهاتف لحظة كان يظنها حميمة. زفر بضيق وهو يشير للباب بحدة:
"هبقي أكلمك يا أنجي..!"
قلبت أنجي عينيها بملل، ووقفت بخصرٍ مائل تسأله ببرود مادي بحت:
"فين حق الليلة اللي اتضربت؟"
هنا، انكمشت ملامح آدم وزم شفتيه كمن يتجرع مراراً، ثم دس يده في جيبه وأخرج "فكة" معدنية وورقة مالية مهترئة، وقال بنبرة يملؤها اليأس:
"أنجي.. أنا معايا 27 جنيه و ربع جنيه مخروم.. تحبي تاخديهم؟"
في مطبخ كارمن.. ماراثون النوتيلا
على الجانب الآخر، كانت كارمن تخوض معركتها الخاصة، ولكن مع برطمان "نوتيلا". كانت تغمس الملعقة بعنف وتلتهم الشوكولاتة كأنها تنتقم من العالم. جسدها لا يزال يرتجف من نظرات ذلك "السافل" -كما أسمته- وحديثه الذي كاد يخترق مسام جلدها.
حدثت نفسها وهي تمضغ بشراهة تثير الرعب:
"السافل!"
كشف المستور.. آدم يتحول لـ "جيمس بوند" الغلابة 
بعد رحيل "أنجي" بخيبتها، استلقى آدم على سريره، لكن ملامحه تغيرت تماماً. أمسك بهاتفه ليسمع التقرير "المرعب" عن تلك الفتاة التي هزت كيانه. صوت إسماعيل "العامل"  جاءه عبر الهاتف يسرد السيرة الذاتية لـ "كارمن":
"اسمها.. كارمن فؤاد، 30 سنة، خريجة سياحة وفنادق، وأبوها كان بيضرب أمها حياة لحد ما مات في حادثة.. ومن وقتها وهي قررت تبقى "رجل البيت."
تابع إسماعيل وهو يقلب الأوراق:
"اشتغلت سكرتيرة في مكتب سياحة مشبوه واتقفل،علشان مكنش معاها ترخيص يطلع الأفواج وأتعملها محضر ضربت صاحب الشركة علشان اتحرش بيها،عملت له عاهة مستديمة وفقد رجولته.!"
ابتلع آدم ريقه بصعوبة، وشعر ببرودة مفاجئة تسري في جسده وهو يتذكر كيف كان يرمقها بنظرات جريئة منذ قليل.
قاطعه صوت إسماعيل بلهجة خبيثة:
"أي خدمة تانية يا آدم بيه؟"
كان ينتظر اسماعيل دفعة الحساب بينما تعمد آدم عدم السمع حتي يهرب من فاتورة الدفع:
"مش سامعك يا إسماعيل الصوت بيقطع"
أغلق آدم الهاتف ببطء، وشرد في سقف الغرفة..
انتقلت كارمن لغرفة نومها، وافترشت السرير بأنواع لا حصر لها من المقرمشات والطعام، تمضغ وكأنها في سباق مع الزمن، بينما الصداع يفتك برأسها.. 
ـ
نهاية اللحظة الثالثة

تعليقات