الليلة السادسة عشرة 2026

حارة العاشقين الليلة السادسة عشرة 2026
الليل كان ثقيلاً، والبيت غارق في صمتٍ متوتر، كأن الجدران نفسها تنتظر شيئاً جللاً. كارين جلست في الصالة،عيناها تائهتان في الفراغ، بينما جيهان وصافي تتبادلان نظرات قلقة،تحاولان قراءة ملامح عمهم التي بدت كأنها تحمل سراً أكبر من قدرتها على الاحتمال.وخلفه ثلاث فتيات غريبات، ملامحهن تحمل خليطاً من البراءة والحدة، وكأنهن جئن من عالم آخر. وقف صخر في 
منتصف الصالة، صوته عميق وحازم فرك كفيه ببعضهما واخبرهن بحقيقة زواج شقيقه المتوفي من امرأة أخري وأن لديه ثلاث بنات وجئن بعد وفاته:«بنات كريم الثلاث»
ارتسمت الدهشة علي ملامح وجوههن معرفتهن حقيقة كريم بل أن كلمات صخر سقطت كالصاعقة.كارين شهقت، يدها ارتجفت وهي تمسك بطرف الطاولة،كأن الأرض انسحبت من تحت قدميها. جيهان وضعت يدها على فمها، عيناها تتسعان في ذهول، بينما صافي لطالما كانت تعلم حقيقة والدها ما هو إلا قناع أمامهم من الاحترام وهو سبب عقدتها من عائلة أبيها:"«دي حاجة كانت متوقعة»
سألتها كارين مستفسرة:«أنت كنت عارفة أن كريم متجوز و مخلف»
تهكمت عليها صافي واخبرتها بحقيقة والدها:«بابا مكنش بالصورة اللي أنت فكراها عنه عارفة كانت عقدته مين»
الحديث تحول إلى صخر فنظر إليها بتوجس هذه الصغيرة دائما تدهشه بحديثها الغليظ:
«أخوه اللي من دمه هو سبب عقدته و كرهه لعيلته فضل عايش جسد من غير روح مجرد صورة باهتة لا عرف يبقي كريم الجبالي رجل الأعمال و لا عرف يبقي كريم الجبالي أبن حارة الجبالي»
الفتيات الثلاث وقفن متوترات، إحداهن تحدّق في الأرض، الأخرى ترفع رأسها متحدية، والثالثة تدمع عيناها بصمت. الجو امتلأ بتيار متناقض من الغضب والشفقة، من الإنكار والفضول.«كفاية يا صافي»قالت كارين بصوت مبحوح، يكاد لا يخرج من حلقها ،صخر اقترب خطوة،نحو صافي نبرته صارمة لكنها تحمل شيئاً من الحزن:«اتكلمي عن أبوك بأدب»
افلات صافي ساعدها الأيسر من قبضة يده اليمني لتخبرها بالحقيقة المرة:«اخوك اللي بتدافع عنه قتل صاحب عمره في السرداب علشان طمع في حقه مش عايز تعرف مين اللي قتله»
كان الليل ثقيلاً كصدرٍ مكتوم الأنفاس،
والبيت غارقًا في صمتٍ متوتر، صمت لا يشبه الهدوء بقدر ما يشبه انتظار العاصفة.
حتى الجدران بدت وكأنها تنصت، تتربص، تخشى أن تسمع ما سيقلب هذا المكان رأسًا على عقب:«أنت قصدك أيه»
جلست كارين في منتصف الصالة، ظهرها مستقيم على غير عادتها، لكن عينيها كانتا غارقتين في فراغ بعيد، كأنها تنظر إلى حياة أخرى لم تعشها بعد.إلى جوارها، كانت جيهان بينما صخر وصافي يتبادلان نظرات قلقة، محاولين قراءة ملامح بعضهما البعض 
 ملامح بدت شاحبة،متصلبة،كمن يحمل سرًا أكبر من قدرته على الإحتمال وأقسى من أن يُقال.ارتدّ الصوت بينهما في أرجاء البيت كصفعة:«سيف خطيبي»
كلماتها جاءت صريحة،لا تحمل ترددًا ولا ندمًا.وجهه ارهقته الحياة كنّ يشبه الحقيقة حين تأتي فجأة عارية،موجعة، ولا تطلب الإذن.كارين شهقت،كأن الهواء سُحب فجأة من رئتيها.ارتجفت يدها وهي تمسك بطرف الطاولة بينما شعرت جيهان أن الأرض انسحبت من تحت قدميها 
تقدّم سليم خطوة،فرك كفيه ببعضهما كمن يتهيأ لنطق جملة ظلّت حبيسة صدره طويلًا، ثم قال:«وانا اللي قدمت ميعاد كتب الكتاب»
وقف صخر هناك،صامت،جامد،تنفس بعمق،لكن شيئًا ما في صدره ظلّ يرفض كمن يضع حدًا للانهيار:«كلمي قولي له عمي عايز يتعرف عليك»
لكن الحقيقة كانت قد قيلت ولا شيء بعد الحقيقة يعود كما كان:«هتعمل أيه»
في تلك الليلة الثقيلة،لم يكن الظلام مجرد غياب للضوء،بل كان كيانًا جاثمًا على الصدور،يضغط على الأنفاس ويجعل كل حركة محسوبة،وكل همسة محفوفة بالخوف. جلس صخر في صدر المجلس،ظهره مستقيم كجذع شجرة عتيقة،وعيناه ثابتتان لا ترمش، كأنهما تنظران إلى شيء أبعد من الجدران الأربعة شيء لا يراه غيره.كانت السبحة تتدلّى من يده اليمنى،حباتها السوداء تنزلق بين أصابعه ببطءٍ مريب،صوتها الخافت يكاد يُسمع وسط الصمت المشدود.لم يكن ذلك الصوت عاديًا،بل كان أشبه بعدٍّ تنازلي لحدثٍ جلل،كأن كل حبّة تسقط تعلن اقتراب الكارثة.وفجأة توقف كل شيء.رفع صخر رأسه بجمود،حركة واحدة حادة كسكين شقّ الصمت نصفين.التفتت العيون نحوه في آنٍ واحد،القلوب قفزت في الصدور،والأنفاس انحبست دون اتفاق مسبق.ثم نطق:«عايزاك تعملي شادر في الشارع وتدبـح عجل.»
الكلمات خرجت هادئة،بلا انفعال،بلا ارتفاع في الصوت.وهذا ما جعلها أشد فتكًا.لم تكن صيحة غضب يمكن تفسيرها،ولا نزوة لحظة طيش،بل قرارٌ بارد،محسوب،يحمل في طيّاته ما هو أخطر من الذبح ذاته.تجمّد الزمن.
ارتسمت الصدمة على الوجوه كصفعةٍ واحدة.ثم شدّ على مسبحته كأنه يتشبث بها لينجو من الغرق حتى الجدران بدت وكأنها انكمشت،وكأن البيت نفسه أدرك أن هذه الليلة لن تمر بسلام.الحاج صالح، الجالس في الزاوية منذ بداية،كان أول من كسر الصمت. تحرك في مكانه بقلق،صوته خرج مرتجفًا، ممزوجًا بالخوف والاستنكار: «أنت بتفكر في إيه يا صخر؟»
لم يلتفت صخر إليه فورًا.ترك السؤال معلّقًا في الهواء،عاد يحرك حبات السبحة،حبّة حبّة ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة غامضة،تلك الابتسامة التي لا تبشّر بخير، وقال بثباتٍ يوجع: «هنعمل ليلة لله حلقة ذكر.»
سقطت العبارة كحجر في مياه راكدة،لكنها لم تُحدث دوائر هادئة،بل فجّرت اضطرابًا صامتًا.حلقة ذكر؟ في هذا التوقيت؟بهذا الشكل؟عجل يُذبح،شادر يُنصب،وليلٌ مشحون بالأسرار؟ساد صمت أثقل من سابقه. لم يفهم أحد.العقول تدور،والشكوك تتسلل كالدخان،بلا شكل واضح لكنها تخنق كل فكرة منطقية.رفع الحاج صالح صوته مرة أخرى،هذه المرة أكثر حدّة،كمن يحاول الإمساك بالحقيقة قبل أن تفلت: «حلقة ذكر إيه؟ إحنا في إيه وأنت في إيه؟»
تلاقت العيون في حيرة،نظرات متوترة، همسات قصيرة مبتورة.البعض شعر بالخوف، والبعض الآخر شعر أن هناك ما يُدبَّر في الخفاء،أمرٌ أكبر من مجرد نذرٍ أو صدقة.
وسط كل ذلك، كان سليم صامتًا.عيناه لم تتحركا،ملامحه لم تتغير،لكن داخله كان يفهم.هو الوحيد الذي بدا وكأنه التقط الخيط الخفي في عقل والده. فهم أن الأمر ليس مجرد “ليلة لله”، بل رسالة أو ربما إعلان حرب مقنّع بالدين والذكر.وقف سليم ببطء، حركة مدروسة،كأن الأرض نفسها تثقل قدميه.ارتدى معطفه دون أن ينظر لأحد، وتوجه نحو باب الشقة.خطواته كانت ثابتة، لكنها تحمل ثقل قرارٍ لا رجعة فيه. كل خطوة كانت تقرّبه من مجهول يعرف أنه مظلم،لكنه لا يملك رفاهية التراجع.خلفه، جلس صخر باسترخاء غريب،كمن ألقى قنبلة وغادر المشهد داخليًا.هزّ رأسه بجمود، السبحة ما زالت بين أصابعه،ثم أطلق الجملة التي حوّلت القلق إلى رعب: «كلم المأذون يا سليم.»
اهتز المكان.لم تعد الصدمة مجرد دهشة،بل تحولت إلى ذهول،والذهول انقلب خوفًا مكتومًا. عقد قران؟لماذا؟ولمن؟ ولماذا هذه الليلة تحديدًا؟الأسئلة انهالت بلا إجابات، كالسكاكين في العتمة.افترش الحاج صالح سجادة الصلاة ومسبحته في يديه كأنما يحاول أن يوقظ نفسه من كابوس ثقيل.بينما الآخرين تبادلوا نظرات مرتعشة ،في الخارج، كان الليل أوسع وأبرد.سليم خطا في الشارع،والريح تلفح وجهه،وصوت والده يرن في أذنه كوصية ثقيلة لا يمكن نسيانها كان يعرف،في قرارة نفسه،أن هذه الليلة لن تُنسى. أن صوت الذكر سيختلط بصوت السكاكين. وأن الدم،مهما غُلِّف بالنوايا،سيترك أثره.ليلة ستُحفر في ذاكرة الحي، ليلة سيتداولها الناس همسًا، وليستيقظوا بعدها وهم يدركون أن صخر لم يكن يفعل شيئًا عبثًا.وقف صخر على قدميه فجأة،كأن صاعقة خفية ضربت صدره لم ينظر خلفه إلى الوجوه المذهولة التي كانت تتبعه بنظراتها، ولا إلى الأيدي الممدودة التي تحاول إيقافه. خطواته كانت ثقيلة،مدروسة، كأن كل واحدة منها تحمل وزن سنوات من الصمت والانتظار.في جيبه،مفاتيح المستودع القديم و هاتفه ثم غادر نزل علي الدرج بخطوات مبعثرة مستند بكفه الأيمن علي سياج كل طابق من طوابق البناية،دفع الباب الخشبي المتآكل،فأطلق صريرًا يشبه أنين روح محبوسة.الرائحة ضربت وجهه أولاً يشتمها لأول مرة رطوبة،غبار،وشيء أقوى رائحة موت ممزوجة برائحة دم جاف منذ زمن. أشعل المصباح والضوء الضعيف كان يهتز بالصدفة البحتة كشف عن جدران مليئة بالخدوش والكتابات الممحاة جزئيًا.أغلق الباب خلفه بهدوء،ثم رفع الهاتف واجري إتصال هاتفي مع باشا:«خير يا معلم صخر؟» جاء صوت باشا سريعًا،متيقظًا رغم الساعة المتأخرة.ابتسم صخر ابتسامة باهتة في الظلام.«عازمك على ليلة ذكر في الشارع.»
صمت باشا لحظة طويلة:«ليلة ذكر؟إحنا بقينا الفجر!» ثم رفع صخر الغطاء الحديدي بصعوبة،فاندفع هواء بارد مختنق برائحة التراب القديم وبقايا شيء عضوي لم يتحلل تمامًا تناول الهاتف مرة أخرى وأخبره:«مش عايز تعرف مصطفي و كريم نزلوا السرداب يعملوا أيه.»
-
نهاية الليلة السادسة عشرة 

تعليقات