اللحظة السابعة 2026

لحظات أنوثة اللحظة السابعة 2026
رفعت كارمن رأسها ببطء عن سطح المكتب الخشبي،وكأن رأسها أثقل من أن يُرفع دفعة واحدة.خطوط الضوء المتسللة من النافذة كانت حادة،جارحة،بعكس ظلال الحلم الذي كانت غارقة فيه منذ ثوانٍ فقط رمشت بعينيها نصف مغمضتين من أثر النوم،والملف الشخصي ما زال مفتوحاً أمامها.لبها يخفق بسرعة وهي تستوعب أنها لم تذهب إلى الوكالة،وأن كل ما حدث كان مجرد حلم طويل ومربك.أمامها وقف آدم، متكئاً على رف الأرشيف، يبتسم ابتسامة ماكرة كعادته،وكأنه يعرف كل الأسرار التي لا تريد أن يكتشفها أحد.«مالك يا كرم؟»قالها وهو يرفع حاجبه الأيمن عالياً بطريقة ساخرة،مستخدماً الاسم الذي اخترعته لنفسها في تنكرها كمدير المكتب الصارم.  
كارمن،التي ما زالت نصف غارقة في الحلم، اعتدلت بسرعة،شدّت ياقة قميصها،وأخذت نفساً عميقاً لتستعيد شخصية "كرم" التي ترتديها كقناع:«نمت كتير أوي؟» قالتها بنبرة متصنعة،تحاول أن تبدو جادة،لكن ارتجاف صوتها فضحها.آدم اقترب منها خطوة،يضع الكاميرا على كتفه كأنه سلاح،ثم يضحك بخفة:«أنا ورايا مقابلة شغل جيت أمضي و همشي.»  
كارمن حاولت أن تتمالك نفسها،لكنها لم تستطع منع الإبتسامة من الهروب.المشهد كله بدا كأنه لعبة شد وجذب بينهما؛هو يضغط على أعصابها بخفة دم،وهي تحاول أن تحافظ على قناعها الجاد:«مقابلة شغل ليه» 
آدم فجأة مد يده وخطف الملف من أمامها، قلب صفحاته بسرعة،ثم قال بصوت مسرحي: «مين كارمن اللي في ملف»
كارمن انتفضت،حاولت أن تستعيد الملف، لكن آدم رفعه عالياً ليصل مستوي رأسه،وهي تقفز لتأخذه،مشهد أشبه بمسرحية هزلية وسط الأرشيف المليء بالغبار:«هات الملف وكارمن دي أختي»  
ضحكت كارمن رغماً عنها،دموع الحلم ما زالت عالقة في عينيها،لكنها الآن ممزوجة بضحكة حقيقية.التوتر الذي كان يخنقها تحول إلى مشهد عبثي،فيه مطاردة صغيرة بين رفوف الأرشيف،وفيه آدم الذي لا يتوقف عن المزاح، وكارمن التي تحاول أن تبقى جادة لكنها تفشل كل مرة.وفي النهاية،توقف آدم فجأة،أعطاها الملف، م نظر إليها بعينين جادتين هذه المرة:«أيه رأيك تيجي معايا مقابلة الشغل»"  
كارمن صمتت،قلبها عاد يخفق بنفس الحماس الذي شعرت به في الحلم.الفرق الوحيد أن هذه المرة،هناك كوميديا تخفف من ثقل الدراما،وتجعلها تشعر أن النجاة ممكنة حتى لو كانت تبدأ من ضحكة:«مقابلة شغل مصور فوتوغرافي في وكالة» 
وقبل أن تلتقط أنفاسها،جاءها صوته من هادئ، ساخر،يعرف كيف يتسلل للأعصاب دون استئذان:«عايز رأيك يا كرم»
رفعت رأسها بسرعة،كأنها ضُبطت متلبسة بجريمة:«موافق»
قالتها بنبرة حاولت أن تكون جافة،لكنها خرجت مرتعشة خيانة,آدم الذي ضيّق عينيه،اقترب خطوة،ثم أخرى،وصوت الكاميرا على كتفه يصدر احتكاكًا خفيفًا،كأنه يعلن عن اقترابه: «أمضي قبل ما تخرج»
تجمدت للحظة لحظة واحدة فقط،لكنها كانت كافية ليكتشف ارتباكها.وضع ملف الأرشيف والقلم أمامها هو يراوغ،ملفات تسقط،غبار يتطاير طلبت منه الإبتعاد للتمكن من المرور من الباب:«ممكن تبعد علشان أخرج»
آدم لم يرفع يده فوق مقدمة رأسها عرضًا؛ بل تعمد أن يلامس خصلات الشعر الرطبة التي كانت تتسلل من تحت قـناع "الرجولة" الزائف.يده كانت دافئة،لكن لمسة الرطوبة أثارت فيه شعورًا غريبًا.سحب يده بهدوء مصطنع،لكن عينيه الثاقبتين لم تغادرا وجهها الذي تلـون بألـف لـون."شكلك بردت يا كرم، التكييف كان عالي."كلماته خرجت هادئة، لكنها كانت محملة بأكثر من مجرد قلـق على الحرارة. كان يقصد: «أنا أعرف حقيقتك.»
وجهها تحـول إلى لوحة فنية من الارتباك؛ حمرة الخجل ثم اصفرار الخـوف.هذا الارتباك لم يكن خـوفًا من البرد،بل خـوفًا من انكشاف قـناعها الـهش.«معقول خايـف مني ده إحنا رجالة زي بعض!»نطق الجملة يرمـيها عليها وهو حاول أن يرفع صوته ليثبت شيئًا لم يعد موجودًا.ثم أطلق آدم ضحكة مكتومة،تحمل سخرية وإعجابًا ممزوجين. "رجالة زي بعض؟" كررها بنبرة خافتة،ثم تقدم خطوة، مستخدمًا فارق القامة لصالحه.«أنت أتجننت! أبعد عني!» هتفت كارمن باسمها الحقيقي (الزائف) وهي تحاول الهـروب.
آدم لم يعد يرى فيها مجرد "كرم"؛ بل رأى فيها كارمن. رأى تفاصيل الوجه الأنثوية التي كانت تحاول إخفاءها تحت طبقة من القسوة المصطنعة، الشفاه الممتلئة، العيون الواسعة التي تفضح خوفها المثير. جسدها، بالرغم من الملابس الفضفاضة، كان يشي بقوام امرأة.
لقد كان يعلم منذ البداية أن "كرم" يمتلك ملامح ناعمة بشكل مريب، لكن الجرأة والطريقة الفظة التي كان يتحدث بها كانت تضلله. أما الآن، وبعد هذه اللحظة، شعر وكأن حجابًا سقط عن عينيه. لقد كان طوال الوقت يتشاجر مع فتاة جميلة متنـكرة.حاصرها بين مكتبه وجسده،لم يلمسها،لكنه أحكم قبضـة الفضاء حولها. رائحة عطرها،التي كانت تختلط برائحة التبغ الخفيف الذي اعتادته في شخصية "كرم"، أصبحت الآن أكثر أنوثة وأكثر إغراءً.
«مش فاهم مالك متوتر ليه؟» تمتم آدم وهو يبتسم ابتسامة خطرة."من ماذا تهربين يا كارمن؟ من الحقيقة؟ أم مني؟"
همس اسمها الحقيقي دون إرتفاع صوت
نجحت في النهاية أن تفلت من حصاره بخطوات سريعة ومرتبكة،وهو يهتف باللقب المسـتعار الذي يحاول به أن يسترد ثقتها: «يا واد يا دكر!» تركها تلهث خارج المكتب.لم يحاول الإمساك بها،لأنه أرادها أن تـهرب الآن،ليعلمها أن اللعبة بدأت للتو.ذهب إلى الشرفة الزجاجية لمكتبه المطلة على الممر،وأخرج رأسه قائلًا بصوتٍ عالٍ وصل إليها رغم ارتباكها ثم التقط لها بعض الصور التذكارية«أنا مستني بكرة يا كرم..»
أيًا كان ما تفضلين! «شكلنا هتسلى أوي» الآن جهزي نفسكِ للتدريب رجولة أم أنوثة، سأكتشف كل شيء بنفسي."
عاد إلى الداخل.لم يعد يفكر في ملفات أو المقابلة العمل.كل ما يشغل باله هو كيف ستكون تلك المرأة،التي تخبئ أنوثتها تحت قـناع الجرأة الرجولية،عندما تسقط كل أقـنعتها.كانت هذه بداية شغف لم يتوقعه آدم:«.هتيجي بكرة»
أخذ الكاميرا وغادر غرفة الأرشيف 
كانت أنفاس كارمن تتسارع،كأن صدرها يضيق عليها،وضعت كفها المرتجف فوق قلبها محاولة أن تُسكِت ذلك الاضطراب الذي ينهشها من الداخل همست في خوفٍ متقطع:  
«معقول عرف؟»ثم لمعت عيناها فجأة،شرارة من الإدراك اخترقت ارتباكها؛ستتعرف عليه،ليس كرم المتنكر في هيئة مدير المكتب، بل كارمن الحقيقية التي تخفيها خلف الأقنعة.لقد قرأت في عينيه شيئًا لم تستطع إنكاره،نظرة لم تكن موجهة إلى القناع، بل إلى روحها العارية لكن قلبها لم يهدأ،بل ازداد اضطرابًا.لهاثها المتواصل كان إعلانًا خفيًا عن بداية مرضٍ لم تجرؤ على الاعتراف به.كانت تخشى أن تنطق به،تخشى أن تواجهه،تخشى أن تُسميه.الخوف صار ظلها الدائم:خوف من النوم الذي يبتلعها في كوابيس،خوف من مقابلة الوكالة التي تترصد خطواتها،خوف من أي رجل يقترب منها،من أي يد قد تلمسها.داخلها،كانت الأصوات تتصارع،تأرجحت كارمن بين رغبة في الانكشاف ورغبة في الاختفاء،بين أن تصرخ بما ينهشها وبين أن تبتلع صرختها في صمتٍ خانق. كانت عالقة في دوامة من المشاعر المتضاربة،كأنها تسير على حافة هاوية،لا تدري إن كانت ستسقط في ظلامها أم ستجد يدًا تنتشلها.  
-
نهاية اللحظة السابعة 

تعليقات