حارة العاشقين الليلة العاشرة 2026
كانت جيهان تقف في شرفة غرفتها الصغيرة المطلة على شارع جانبي هادئ، حيث يغلف الصمت المدينة كوشاح أسود ثقيل. الريح الباردة تتسلل بين الستائر الرقيقة، تحمل معها رائحة المدينة المبللة بالندى، وكأنها تهمس بأسرار لا تريد أن تُكشف. كانت جيهان تمسك سيجارة بين أصابعها المرتعشة، تنفث دخانها ببطء، عيناها تتجولان في الفراغ الأسود أمامها، تبحثان عن شيء غير موجود، عن طيف يقترب أو اسم يخرج من بين الدخان ليمنح حياتها معنى فقدته منذ زمن.همست بشفتيها المرتجفتين، صوتها خافت كأنه خوف من سماع نفسها: "هو أسمه إيه؟"
لكن الرد لم يأتِ من داخلها،بل من الشقة المجاورة،من خلف الجدار الرقيق الذي يفصل بين عالمين.صوت امرأة ناعس،متعب، ينادي: "أرغد، دخله أوضته استني كتير وأنت اتأخرت ونام على الكنبة."
ارتجفت جيهان كأن صفعة باردة ضربت وجهها. تجمدت في مكانها،السيجارة بين أصابعها تحترق دون أن تشعر.الحقيقة انفجرت داخلها كقنبلة صامتة: هو متزوج.لديه زوجة تنتظره،لديه طفل ينام على الأريكة بانتظار أبيه.تمتمت لنفسها بمرارة، صوتها يخرج مبحوحاً من حلقها الجاف:
"بتفكري في واحد متجوز ومخلف!"
ألقت السيجارة من الشرفة بغضب، شاهدتها تسقط في الظلام كنجمة ميتة،ثم جلست على الكرسي الهزاز القديم،الذي يصدر صوتاً خفيفاً مع كل حركة.دمعة ساخنة انزلقت على خدها،محرقة كالنار، وهي تستحضر وجه أدهم،خطيبها الذي رحل في حادث مفاجئ قبل عامين،تاركاً فراغاً هائلاً في قلبها.كان أدهم هو كل شيء،الضحكة، الأمان،الحلم.وها هي الآن،تفكر في رجل آخر، تشعر بشيء يتحرك داخلها كلما سمعت خطواته في الرواق،كلما شمّت رائحة تبغه من الشرفة المجاورة.شعرت بالذنب يعصرها:
"نسيت أدهم،بالسهولة دي."
لكن الظل اقترب.سمعت خطوات ثقيلة،مترددة، على الأرضية الخشبية للرواق المشترك بين الشقتين.خطوات تعرفها جيداً الآن،خطوات أرغد. توقفت عند باب الشرفة،ثم سمعت صوت الباب الزجاجي يُفتح ببطء.لم تلتفت،شدّت نظرها إلى الأفق الأسود،قلبها يدق بعنف كأنه يريد الخروج من صدرها.همست لنفسها مرة أخرى،محاولة إقناع نفسها:
"مش قادرة أقوم ليه."
توقف أرغد عند مدخل الشرفة،صمته أثقل من أي كلمة يمكن أن يقولها.ثم اقترب،جلس على الكرسي الهزاز المقابل لها،على بعد متر واحد فقط،يفصل بينهما طاولة صغيرة مغطاة بغبار الزمن بسبب الرياح في الخارج.أشعل لفافة تبغ،نفث الدخان ببطء،وكأنه يحاول أن يملأ الصمت بشيء.كانا انعكاسين في مرآة مكسورة: كلاهما يدخن،كلاهما وحيد،كلاهما يحمل ألماً لا يُقال.الصمت بينهما كان غريباً،ثقيلاً،مليئاً بالأسئلة غير المروية.عيناها،دون أن تلتفت إليه تماماً،تسألان: لماذا جئت؟ لماذا الآن؟ وعيناه،التي تشعر بهما تحرقان جانب وجهها، تجيبان دون كلام: لأنني لم أستطع البقاء بعيداً. لأنني سمعت صوتك،أو رأيت ضوء سيجارتك من نافذتي،أو لأن شيئاً في داخلي يناديك.شعرت جيهان أن الأرض تهتز تحتها،أن كل الجدران التي بنتها حول قلبها منذ رحيل أدهم تتصدع أمام تلك النظرات الخفية.أرادت أن تنهض، أن تهرب إلى داخل غرفتها، أن تغلق الباب وتغلق معه كل هذه المشاعر المحرمة.لكن جسدها خانها،بقيت جالسة، تشعر بحرارة وجوده، برائحة تبغه التي اختلطت بدخان سيجارتها الجديدة التي أشعلتها مرة أخرى بيد مرتجفة.التوتر يتصاعد داخلها كعاصفة بطيئة. كل تنهيدة منه تصل إلى أذنيها كلمسة.كل حركة صغيرة في كرسيه تجعل قلبها يقفز. شعرت برغبة مجنونة في النظر إليه مباشرة،في رؤية عينيه عن قرب،لكن الخوف يكبلها. خوف من أن ترى فيهما ما تخاف منه: رغبة مماثلة، ألماً مشابهاً،وحدة تشبه وحدتها.أخيراً،لم تستطع الصمت أكثر.قالت بصوت خافت،مبحوح،كأنها تعترف لنفسها أكثر مما تعترف له: "ابنك عنده كام سنة."
ارتجفت الكلمات في الهواء البارد،حملت معها كل الذنب والرغبة المكبوتة.اقترب أرغد قليلاً في كرسيه،الطاولة الصغيرة لم تعد حاجزاً كافياً. دخان سيجارته اختلط بدخانها تماماً،كأنهما يتشاركان نفس الهواء،نفس السر،نفس الذنب.نظر إليها مباشرة لأول مرة،عيناه تحملان تعباً عميقاً، وشيئاً آخر. شيئاً يشبه الجوع العاطفي.
أجابها بنبرة مبحوحة،صوته يخرج كأنه من مكان عميق داخل صدره:
"عنده زهايمر و عنده 80 سنة؟"
ارتجفت جيهان بعنف،كلماته ضربتها في الصميم. لم يكن يتحدث عن زوجته أو طفله، بل عن شيء أعمق،عن فراغ يشبه فراغها. شعرت أن جدار الواقع بينهما يصبح هشاً،يتصدع مع كل كلمة،مع كل نظرة.التوتر العاطفي يرتفع كموجة عالية، يغرقها في بحر من المشاعر المتضاربة: الرغبة في الاقتراب،والخوف من السقوط،والذنب الذي يعصف بها،والألم الذي يجمع بينهما.كانت يداه ترتجفان وهو يمسك السيجارة،ويداها كذلك.كان الهواء بينهما مشحوناً،كأن شرارة واحدة ستشعل كل شيء.شعرت جيهان أنها على حافة الهاوية، تريد أن تمد يدها،أن تلمسه،أن تسأله عن كل شيء، لكن الواقع يصرخ في رأسها: أدهم مازال في قلبك..فجأة،نهضت كأنها تستيقظ من حلم مخيف. وقفت بسرعة،الكرسي يتأرجح خلفها بعنف.نظرت إليه نظرة طويلة،عميقة،تحمل كل الكلمات التي لم تُقال،كل الرغبة المكبوتة،كل الألم المشترك.عيناها تلمعان بالدموع التي لم تسقط بعد، وشفتاها ترتجفان.ثم التفتت،تركت الشرفة بخطوات سريعة،تركت الكرسي يتأرجح وحده في الريح، تركت أرغد جالساً في الظلام،يغرق في دخان سيجارته،في صمته الثقيل،في تلك اللحظة التي ستظل تطاردهما كندبة لا تلتئم،كسرٍّ مشترك بين روحين ضائعتين،لا يجرؤان على الاقتراب أكثر، ولا يستطيعان الابتعاد..
في ذلك المساء، كان البيت قد غرق في سكون ثقيل،كأن الجدران نفسها تخشى أن تتنفس. الستارة التي سقطت قبل قليل لا تزال معلقة في أذهان الجميع،والهمسات خفت تدريجيًا،لكنها تركت أثرًا يشبه الدخان: غير مرئي،لكنه يخنق.
صافي، جلست على حافة سريرها طويلاً، يداها مضمومتان بين ركبتيها،قلبها يدق بإيقاع غريب، كلما أغمضت عينيها،عادت تلك اللحظة: الستارة تسقط، الظلام المفاجئ،ثم ذراعاه تحيطان بها بقوة غريزية،جسده يلتصق بجسدها وهو يحاول احتضانها.شعرت بدفء صدره،برائحة عطره المألوفة التي كانت تتجاهلها عمدًا،وبنبضه الذي كان يخفق تحت أذنها.
نهضت أخيرًا،كأن قدميها لا تطيعانها تمامًا.فتحت الباب بهدوء،ومشيت في الممر المعتم حتى وصلت إلى الصالة. كانت جيهان جالسة هناك،على الأريكة الوحيدة المضيئة بضوء المصباح الخافت،رأسها بين يديها،أصابعها مغروزة في شعرها الأسود.رفعت عينيها حين سمعت خطواتها،وعيناها تلك العينان اللتان طالما هربت منهما كانتا مليئتين بشيء لم تستطع تفسيره: قلق،خوف
وقفت أمامها، صوتها يخرج مبحوحًا،مرتجفًا:
"مالك يا جيهان"
اقترب منها خطوة واحدة،كأنها تخشى أن تهرب:
"أنت اللي أحكي لي أيه اللي حصل بينك وبين سليم"
تنفست جيهان بعمق،ثم رفعت عينيها إليه مباشرة:
"أحكي لي أنا هبقي تمام"
وكأنها تتحداها وتتحدى نفسها في الوقت ذاته:
"لأ أنت تعبانة ومش قادرة تتخطي اللي حصل"
تجمدت جيهان مكانها.لم تكن تتوقع أن تقولها بهذه الجرأة.ابتلعت ريقها:
"قلت لك مفيش حاجة"
اقتربت صافي أكثر،كأنها تراها لأول مرة:
"جيهان أنت في حاجة مضايقاكي"
ارتجفت شفتاها،لكنها لم تتراجع.كانت المشاعر تتصارع داخلها بعنف: الغضب، والقرف المزعوم الذي تحاول إقناع نفسها به،والرغبة الخطيرة التي تنمو رغمًا عنها:
"كنت مستنية جارنا يخرج من البلكونة علشان اشوفه تخيلي"
لكن صوتها انكسر في النهاية.لم يعد فيه قوة الرفض، بل كان فيه اعتراف مرير:
" إزاي أفكر في راجل بعد أدهم"
مدت صافي يدها ببطء،فلاحظت أنها ترتجف:
" أدهم مات شعورك بالذنب مش هيرجعه ثاني ده عمره"
بكت جيهان بهدوء، رأسها يهتز بين "نعم" و"لا"، قلبها ممزق بين الماضي والرغبة الجامحة التي لم تعد تستطيع إنكارها:
"مش ممكن تكون دي فرصة علشان تنسي"
انفجرت جيهان في ضحكة عالية،صوتها يرن في أرجاء الغرفة كأنه جرس يهز الجدران،وهي تمسح دمعة مرح من عينيها.
«أفتكرته متجوز ومخلّف! واحدة نادت عليه وقالت له: يا أرغد، نيمه في سريره!»
رفعت صافي حاجبيها عالياً،عيناها تلمعان بخبث ماكر، وهمست بصوت منخفض يحمل نكهة التحدي:
«..فرصة علشان تنسي.»
أطلقت جيهان ضحكة رنانة أخرى،تضرب كتف صافي بخفة وهي ترى تلك الشرارة المشاغبة في نظرات شقيقتها:
«انت عارفة لو عرف أنه مجرد فترة علشان أرجع لحالتي الطبيعية ممكن يعمل فيا أيه!»
ثم مال جسدها قليلاً نحو الأمام،وخفضت صوتها إلى همس فضولي:
«شكله يجنن شبه نجوم هوليوود يا تري بيشتغل أيه؟»
ثم لعقت شفتيها بتوتر خفي،ودفعت خصلة من شعرها الأسود خلف أذنها بحركة لا إرادية،ووجهها يتورد بخجل واضح:
«تفتكري أن ممكن أرجع لحياتي الطبيعية»
ثم نكزتها في كتفها الأيمن:
«سليم هو السبب أنك ترجعي الفيلا كنت خايفة تضعفي علشان تكملي الجوازة مش كده»
ثم ابتسمت جيهان بمكر،عيناها تضيقان وهي تتذكر المشهد:
«صافي أنا شفت سليم وهو بيبوسك في المطبخ.»
اصفرّ وجه صافي ثم احمرّ فجأة،كأن النار سرت في خديها.نظرت حولها بسرعة،ثم همست:
«هششش! وطي صوتك! اللي حصل كان صدفة مش عارفة حصل إزاي أصلاً و ليه عمل كده.»
رفعت جيهان حاجبيها مرة أخرى،وهي تبتسم بوقاحة صريحة:
«حسيتي بإيه لما باسك؟»
التفتت صافي برأسها يميناً ويساراً، قلبها يخفق بقلق وكأن جدران الغرفة لها آذان.همست بصوت مرتجف:
«أنتِ ناسية إني مخطوبة؟»
هزت جيهان كتفيها بلامبالاة:
«لكن مش بتحبيه بتحبي سليم و من زمان لكن يأست واتخطبت وهو شكله كده معجب بك،بصراحة سليم شخصية و دمه خفيف و وسيم و واثق في نفسه ده كفاية أنه وقف قصاد كل العيلة و دافع عنك و شال هو الليلة»
توترت صافي أكثر،عيناها تهربان من عيني جيهان:
«جيهان اقفلي الموضوع كل ما أفكر أتعب.»
اقتربت جيهان أكثر، صوتها يصبح أعمق،أكثر جدية:
«عقلك وجسمك وقلبك عند سليم إزاي تسلميهم لراجل ثاني.»
تنهدت صافي بعصبية،ثم ردت بسرعة،كأنها تحاول إقناع نفسها قبل الآخرين:
«مين قالك إني بحب سليم؟هو بالنسبة لي ابن عمي وأخويا،وأنا هتجوز.»
في تلك اللحظة،كان سليم واقفاً في الممر الضيق المؤدي إلى غرفة المعيشة،متجهاً نحو الحمام. توقف فجأة،قدماه تسمّرتا في الأرض كأن جذوراً انبتت منها.سمع كلماتها بوضوح،كأنها سكين حادة تخترق صدره.
«انا مش بطيق أسمع صوته و لا اشوفه.»
شعر بضربة باردة في قلبه،ثم بحرارة غضب تتصاعد في عروقه.أغلق عينيه لحظة،يحاول السيطرة على أنفاسه المتسارعة.كان يريد أن يدخل، أن يواجهها،أن يسألها لكنه بقي صامتاً في الظل،يستمع إلى نبضات قلبه وهي تدوي كالرعد في أذنيه،بينما الكلمات تتردد في رأسه مرة تلو الأخرى،تُمزق شيئاً بداخله لا يعرف إن كان سيستطيع إصلاحه
سيتعامل معها كما يتعامل مع شقيقته الصغيرة التي يرى فيها مجرد طفلة مزعجة.
-
نهاية الليلة العاشرة