اللحظة الثانية 2026

لحظات أنوثة اللحظة الثانية 2026
شعر آدم بالخمول يثقل جفنيه، فلقاء الليلة الماضية مع العاهرة لم يمنحه الراحة بل أورثه إرهاقًا مخمليًا. دخل مقر الشركة الرئيسي، حيث الأضواء الساطعة تتعارض مع حالته، واضعًا نظارته الشمسية الثمينة فوق عينيه. لم يكد يخطو بضع خطوات حتى اعترضت طريقه "ملك" كالعادة، سكرتيرته التي لا تمل من التدخل.
رفعت الأوراق في يديها بلهجة لا تخلو من اللوم المكتوم:
"مستر آدم، الفوج الألماني وصل وأنت اختفيت وقتها. كنت فين؟"
حكّ مؤخرة رأسه بضيق، متأففًا من سؤالها الذي رآه تطفلاً صباحيًا لا لزوم له:
"خليكِ في حالك يا ملك."
قهقهت ملك، فلقد ألِفت تلميحاته وفهمت قصده جيدًا، لكنها لم تستطع التوقف عن النصح:
"مستر آدم، أنت كده هتعمل مشكلة جديدة. كفاية السائح اللي اشتكى لما شافك بتعاكس بنته."
نزع آدم نظارته الشمسية ببطء، وعلقها في عروة قميصه الأبيض، وابتسامة واثقة تلوح على شفتيه:
"وفي الآخر مراته جت الأوضة من نفسها."
أشارت ملك بوجهها نحو مخرج الشركة بوجل:
"عز بيه خرج من الشركة."
حكّ آدم مقدمة رأسه، متجاهلاً تحذيرها وضجرتها:
"خليكِ في حالك وهاتي الورق وتعالي ورايا. ده أنتِ رغاية أوي على الصبح، حاسس إن معينينك علشان تراقبينا."
في تلك الأثناء، دلفت كارمن بخطوات واثقة إلى المقر الفخم لشركة الجارحي للسياحة. كانت ترتدي "أفرول" يبرز قوامها الجريء، وتجولت عيناها في المكان بفضول، واضعة يديها داخل جيوبها. توقفت أمام المكتب الخشبي حيث تجلس السكرتيرة.
"صباح الخير." ألقت التحية بهدوء.
ردت السكرتيرة بإيماءة فاترة:
"صباح الخير... اتفضلي."
وضعت كارمن ملفها الشخصي على المكتب.
"أنا جاية أقدم على وظيفة سكرتيرة. الملف الشخصي..."
قاطعتها السكرتيرة ببرود:
"من غير ملف شخصي، مش هيوافق عليكِ."
قطبت كارمن حاجبيها، متسائلة عن هذا الغموض:
"قصدك إيه؟"
عبست السكرتيرة، نبرتها تحمل تحذيرًا مبطنًا:
"في حاجات أهم من الملف الشخصي... كشف هيئة. رأيي تاخدي بعضك وتمشي، لأن صاحب الشركة عينيه زايغة ومصاحب كل الموظفات."
امتعض وجه كارمن، معتقدة أن السكرتيرة شعرت بالغيرة أو الحقد بسبب مظهرها. تجاهلت التحذير بصلابة:
"صاحب الشركة هو اللي يقرر."
ابتسامة شيطانية ارتسمت على شفتي السكرتيرة:
"اللي يريحك، أنتِ حرة. الأسانسير آخر الممر، لأن الأسانسير الرئيسي خاص بأصحاب الشركة. مكتب آدم بيه في الدور الثاني."
حملت كارمن ملفها الشخصي، وتوجهت نحو المصعد الكهربائي. بينما كانت تدخل، تمتمت السكرتيرة ساخرة في خلفها:
"أفضل أشوف صاحب الشركة وهو يقرر. ده لو وافق عليكِ أصلاً، ده أنتِ أرجل منه."
في داخل المصعد، عقدت كارمن ساعديها فوق صدرها، ترمق انعكاس وجهها في المرآة الزجاجية ببعض الغضب المكتوم. في تلك اللحظة، ضغط آدم على زر فتح الباب. دخل المصعد وبصحبته ملك، التي كانت تهمس بتوتر:
"آدم، أنت وعدتني بعد ما نروح عندك البيت هنرجع تاني. عز بيه لو عرف مش هيسكت."
قهقه آدم بسخرية، محتضنًا ملك بجرأة:
"إحنا هنمضي العقود ونرجع تاني."
ازدرقت كارمن ريقها بصدمة، فالمشهد كان فجًا وجريئًا. لقد كانا يتبادلان القبلات الساخنة دون أدنى مراعاة لوجودها. صاحت بهما بحدة:
"أنتوا بتعملوا إيه!"
توقف آدم عن تقبيل ملك للحظة، لعق شفتيه ببطء، وعيناه تضيئان بلهيب الإثارة:
"خليكِ في حالك، وشغلي الأسانسير. بقالنا كتير أوي مستنيين."
شعرت كارمن بغضب عارم يسيطر عليها، فدفعته في كتفه الأيمن، متمتمة بشتيمة مقذعة لهذا الوسيم المستهتر:
"ما تحترموا نفسكم! أنا واقفة معاكم، وأشغل الأسانسير ليه؟ ما تشغله أنت!"
زفر آدم بملل، متجاهلاً غضبها وكأنها حشرة طائرة، وطالبها بالخروج من المقر:
"أنتِ مش شغالة هنا عاملة أسانسير! اتفضلي استغنينا عن خدماتك. يلا بالسلامة."
عاد يحاوط ملك بذراعه، وابتسامة تحدٍ على وجهه:
"ما تنامي عندي الليلة؟"
لعقت ملك شفتيها، متأثرة ببراعته في التقبيل، وواصلت حديثها مع كارمن:
"أنتِ عارفة بتكلمي مين؟ ده آدم بيه، صاحب الشركة. أنا هرجع مكتبي، خايفة عز بيه يرجع."
طلبت ملك من آدم المغادرة، فسمح لها:
"تمام يا ملك."
ما أن خرجت ملك من المصعد، حتى امتعض وجه آدم للحظة:
"إنجي مشيت، وملك رجعت تاني. ده إيه الحظ المنيل ده."
لكن سرعان ما ارتسمت ابتسامة شيطانية على شفتيه، فوصول هذه الشقراء الفاتنة، التي تتمتع بهذا القدر من الجرأة، قد أضفى على صباحه الممل نوعًا من الإثارة غير المتوقعة.
كانت عينا كارمن الجريئتان تحت حاجبيها تراقبان كل حركة له، وفي عينيه لهيب رغبة لا يمكن إخفاؤه. تلاقت عيونهما، وكأن شرارة قد انطلقت بينهما. سألها آدم بلهجة تحمل تحديًا وافتراسًا:

"في حاجة؟"
لقد كانت هي اللحظة، هي الشرارة، هي بداية لعبة ستشتعل بينهما في ذلك المصعد الضيق.
عينان قابعتان تحت الحاجبين تراقبه من بعيد. ما أن تلاقت أعينهما، سألها بحدة باردة: "في حاجة؟ عايزة الأمن يجي يخرجك برة الشركة؟"
خرج من المصعد الكهربائي، تبعته تنزل على الدرج الداخلي الخاص بالعاملين. كانت تعلم في قرار نفسها أنها لن تقبل بتلك الوظيفة، لكن شيئًا ما كان يُشدها ..
في غرفتها، كانت "مساء" حائرة، لا تستطيع النوم. صورته لم تفارقها. كان صراعاً مريراً بين عقلها الذي يرفض وقلبها الذي يخفق؛ إحساس معقد للغاية وغير مفهوم تعجز عن وصفه. هي فقط... تريد رؤيته. حسمت أمرها أخيراً بأخذ جرعة من المنوم القسري لعلها تنال بعض السكون.
آدم أنهى ليلته مع تلك العاهرة. استلقى بجسده فوق السرير بعد أن أقفلت باب الشقة. نفث دخان لفافة التبغ، وهو يحترق من الداخل مثلها. هل حياته مؤلمة ناتجة عن علاقاته الجنسية المُفرطة؟ حاول كبح نفسه عند جموحها... ولكنه فشل!
"صباحاً"، استيقظ على كلمات والده المهينة بالتزامن مع سكب الماء البارد فوق رأسه: "اصحي بقينا العصر! أنت إيه؟ حيوان؟ كل ليلة شرب وسهر!"
مسح وجهه بكفيه يسأل ببرود عن أسباب مجيئه المُفاجئ: "في إيه؟"
زمّ 'عزالدين' شفتيه قائلاً بحنق: "في إيه؟ أنت ابن صاحب الشركة وآخر واحد بيجي! أنت حتى مش بتطيق تقعد ساعة على بعض، والساعة اللي بتكون موجود فيها بتفضل تعاكس الموظفات!"
قلب آدم عيونه بملل وهو يرتدي التيشيرت: "أنا هلبس ورايح الشركة."
تبسم والده بسخرية لاذعة: "هتروح الشركة؟ ده ليه التكرم ده؟"
تمسك عزالدين بياقة تيشيرته يُهدده بقوة: "وِديني لو ما اتعدلت لرميك في الشارع! ومفيش شركة ولا عربية ولا حساب في البنك، وطقم البنات ده كله هيتغير وييجي بداله رجالة!"
اعتذر له آدم محاولاً التهدئة: "طيب أهدي..."
دفعه والده بعيداً عنه: "كلامي يتسمع."
ـ
كانت الساعة قد تجاوزت الواحدة بعد منتصف الليل، ولكن النوم استعصى على كارمن (مساء). كانت تذرف عيونها الدمع بسبب آلام قلبها يدق لرجل... آدم. لماذا تريد رؤيته؟ مر يومان وها هي تفكر فيه! تبحث عن أخباره عن طريق تطبيق الفيسبوك.
ما أن وقعت عيونها على الإعلانات المبوبة للوظائف، وبالتحديد وظائف الرجال، لمعت عيونها بـفكرة العمل معه: "مطلوب مدير مكتب."
" صباحا" في اللحظة التي تركت فيها كارمن المحل التجاري، حامله كيسًا ثقيلًا يضم "البدلة الرجالية الرسمية الفضفاضة" و"الشعر المستعار الكثيف"، شعرت بثقل غريب لم يكن مصدره القماش، بل كلماتها التي مازالت ترن في أذنيها:
"أنت عايزة بدلة و باروكة رجالي ليه"
توترت و هي تبدأ أول سلسلة الأكاذيب وأخيرا يدق قلبها من أجل رجل:
"أنا كومبارس في فيلم وهعمل فيه شخصية راجل"
"ربنا يوفقك مع أن شكلك مينفعش تبقي راجل."
تلك الجملة، التي قيلت بعفوية وبراءة وبابتسامة مشجعة من البائعة، لم تكن مجرد ملاحظة عابرة حول مظهرها الأنثوي، بل كانت قذيفة اخترقت درعًا هشًا كانت كارمن قد بنته حول أكثر مناطقها ضعفًا.
في سيارة الأجرة، ألقت بالكيس بجوارها، وراحت تتأمل يدها الناعمة الرقيقة. لم تكن الموظفة تقصد الإساءة، لكنها أيقظت
"لماذا قالت لها شكلكِ الجميل لا يناسب أن تكوني رجلًا؟"
همست كارمن لنفسها بمرارة، تدير ظهرها للشباك الزجاجي. العبارة الأخيرة للبائعة كانت هي الضربة القاضية: "قصدي أن شكل جسمك وبشرتك متتفعيش تبقي راجل."
أغمضت عينيها، وتذكرت اللحظة التي ظهرت فيها أول علامات الأنوثة عليها، كيف كانت تنظر في المرآة وهي تتمنى لو أن جسدها ظل بحدود أكثر صلابة، بخطوط أقل انحناءً. لم تكره كارمن أنوثتها، بل كرهت الارتباط الوثيق بين تلك الأنوثة والضعف والتصنيف.
في عالمها، كان الرجل هو صاحب القرار، صاحب القوة الهادئة التي لا تحتاج لإثبات نفسها بالصراخ أو الدموع. كانت تتخيل دومًا أن جسدًا مختلفًا كان سيمنحها حصانة ضد الأحكام السريعة والوصم بـ "العاطفية" أو "المبالغة في الحساسية".
وصلت كارمن إلى شقتها. وضعت الحقيبة جانبًا، لكن فضولًا مؤلمًا دفعها لفتحها. لم تستطع الانتظار.
دخلت غرفتها وأغلقت الباب. وبتوتر أشبه بمن يدخل غرفة الإعدام، خلعت ملابسها المنزلية وارتدت البدلة السوداء.
كانت البدلة فضفاضة حقًا، تبتلع تفاصيل جسدها. أكتافها المبطنة أعطتها عرضًا مصطنعًا، وغطت سترة البدلة أي انحناءات لخصرها. التقطت الشعر المستعار ذات الشعر القصير الداكن ووضعتها على رأسها، ثم وقفت أمام مرآتها الطويلة.هنا كان الانفجار.
نظرت إليها صورة لم تكن كارمن تمامًا، لكنها لم تكن رجلًا كذلك. كانت مسخًا، تجسيدًا باهتًا لأمنية قديمة.شعور متناقض يغزوها:

الارتياح المؤقت (القناع): شعرت بالاطمئنان تحت هذا القماش الكثيف. لقد اختفت، تبخرت الأنثى الواضحة التي يسهل قراءتها والحكم عليها. للحظة، شعرت بالحرية من "ضرورة" أن تكون جميلة، لطيفة، أو حتى مرغوبة. هذا التنكر كان درعًا.
الخيبة المرة (الواقع): مع ذلك، سرعان ما انقشع هذا الارتياح. سمعت صوت البائعة يتردد في أعماقها: "شكل جسمك وبشرتك متتفعيش تبقي راجل." لم تستطع البدلة أن تخفي حقيقة نعومة بشرتها أو شكل فكها. كان التنكر مجرد محاولة بائسة للهروب من واقع فسيولوجي لا يمكن تبديله.
'صباحاً'، دلفت شركة الجارحي مرتدية بدلة سوداء رسمية مع شعر مستعار قصير للرجال. ها هي على بعد خطوات قليلة من السكرتير الجالس خلف المكتب الخشبي. وقعت عيونها على الملف التعريفي لشخص ما، على الأغلب أنه آتٍ للتقديم على وظيفة شاغرة وفقد أوراقه. تبسمت وهي تنتزع الصورة الموضوعة داخل الملف الشخصي وأقفلته مرة أخرى، متوقفة أمام السكرتير: "أهلاً وسهلاً بك في شركة الجارحي للسياحة."
ردت عليه بصوت حاولت أن تجعله أجش: "أهلاً وسهلاً بك. أنا جيت أقدم على وظيفة مدير مكتب."
سألها السكرتير: "أهم حاجة تنظيم الوقت واللغات. تقدر تدخل مكتب آدم بيه آخر الممر."
شردت كارمن في كلمات السكرتير: "مكتب آدم بيه في الدور الثاني.
" آدم بيه مكتبه في الأرشيف"
زمت شفتها العلوية بعدم فهم:
"مش آدم بيه صاحب الشركة"
-معنديش فكرة أنا لسة موظف جديد و اتعينت بموافقة عز الدين بيه"
دارت عيناها في المكان:
-عز بيه غير كل البنات وبدلهم برجالة"
حاول الموظف أن يفهم ما تتمتم به:
-أنت بتكلمني"
اومأت برأسها بالنفي وتحركت موضع سكون آدم قاصدة الأرشيف:
-لأ أبدا بكلم نفسي"
خطوات قليلة تفصلها عن رؤيته. ما أن دارت يدها اليمنى مزلاج الباب، رأت انعكاس صورته في المرآة يتحدث بغضب مع والده: "خليني أخرج بالعربية."
صدح صوت والده من الهاتف المحمول بحدة: "اركَب أتوبيس الشركة مش لازم المنظرة! لو مش عاجبك اركب تاكسي أو مواصلات على حسابك!"
أنهى والده مكالمته الهاتفية، والآخر ما زال يرتجف خوفاً ويعتذر له:
" طيب اسمعني، الو الو"
استدار بجسده يسأل الواقفة التي يرتجف جسدها خوفاً من انكشاف أمرها: "أنت مين؟"
ـ
نهاية اللحظة الثانية

تعليقات