الليلة الرابعة عشرة 2026
حارة العاشقين الليلة الرابعة عشرة 2026
في تلك الليلة الملبّدة بالهموم،جلس صخر في ركنٍ من البيت الكبير،عيناه تائهتان بين جدرانٍ تحمل ذكرياتٍ ثقيلة.كان قلبه يضجّ بأسرارٍ لم يعد يحتمل كتمانها،أسرار تتعلق بابنه الأكبر سليم،وبابنة عمّه صافي التي ارتبطت بخطبةٍ لم تكن سوى قيدٍ يثقل روحها.دخلت كارين، زوجة شقيقه الراحل، بخطواتٍ مترددة،تحمل في ملامحها مزيجاً من الحزن:
«أنا مش عايزة حد يزعل من صافي وفاة كريم أثرت علي أعصابها»
ثم جلست قبالته،فرفع رأسه إليها،وصوته خرج متكسّراً بارتباك:
« صافي و سليم بيحبوا بعض»
ارتجفت كارين،كأن الأرض اهتزّت تحت قدميها،حدّقت فيه بعينين متسعتين، وارتسمت على وجهها علامات الصدمة:
أنت بتقول أيه؟! صافي مخطوبة!،وبتحب خطيبها!؟"
ابتسم صخر ابتسامةً حزينة،كمن يواجه قدراً لا مفر منه،ثم أردف:
«هي دي الحقيقة»
تدخلت جيهان في الحديث لقد أدركت أن سليم يحمل في قلبه عشقاً لا يهدأ،عشقاً موجهاً نحو شقيقتها:
«عم صخر عنده حق صافي بتحب سليم وكانت مستنية ياخد أي خطوة علشان ينهي الجوازة لكن هو قرب ميعاد كتب الكتاب علشان كده بستفزه طول الوقت»
لقد أخبرها صخر كنت أظن بأن الأمر محسوم.لكنني رأيت بعيني كيف تنظر إلى سليم،وكيف يهرب هو من عينيها كي لا يفضح قلبه.لقد استعجل موعد كتب الكتاب، ظانّاً أنها تبغضه،أراد أن يخفي عشقه خلف قناع البرود،بحجة أنها ابنة عمّه،ومثل شقيقته الصغرى.لكنه لم يخدعني،ولكن خدعها:
«أنا هخلي سليم يبعد عنها لكن ده مش الحل»
كارين وضعت يدها على صدرها،كأنها تحاول أن تمنع قلبها من الانفجار.كلمات صخر وجيهان اخترقت جدار إنكارها،وأيقظت شكوكاً كانت تخشى مواجهتها صافي لطالما رفضت سليم بكلامها اللاذع،لطالما صدّته وأبعدته عنها.أهذا كله كان ستاراً؟"
صخر أطرق برأسه،ثم رفعه ببطء،وصوته صار أكثر عمقاً:
«هقول لسليم يفضل في المحكمة الصبح وفي مكتبه طول اليوم ويرجع هنا علي النوم»
صافي،كان رفضها صرخةً يائسة،محاولةً للهرب من مشاعرها التي تخشى الإعتراف بها.هي تنتظر أن يتخذ خطوةً،أن يخلّصها من خطيبٍ لا يسكن قلبها:
«صافي وافقت علي الخطوبة علشان كريم أقنعها أنه ضمان لشراكتهم»
أخبرها صخر أنا لم أعد أحتمل أن أرى أبني يتعذّب،وأن أرى ابنة أخي الراحل تُساق إلى مصيرٍ لا تريده:
«عندك رد علي تصرفات صافي»
سكتت كارين،والدموع بدأت تتجمع في عينيها.شعرت أن الأرض ضاقت بها،وأن الحقيقة التي كشفها صخر أكبر من قدرتها على الإحتمال:
«راقبي تصرفاتهم علشان تفهمي»
في تلك اللحظة،بدا البيت وكأنه يغلي بالأسرار،جدرانه تسمع وتخزّن،والهواء يثقل بالاعترافات.كان صخر قد ألقى حجراً في مياه راكدة،فارتجف السطح،وبدأت الدوائر تتسع،لتجرّ الجميع إلى مواجهةٍلا مفر منها:
«وأنا مش عايز اجوزها لسليم علشان طمعان في الميراث أنا عايزها تعيش مع واحد بتحبه»
ـ
وقف باشا الصغير فجأة،كأن الأرض تحت قدميه لم تعد تحتمل ثقل أفكاره.راح يمشي ذهابًا وإيابًا في الغرفة،خطواته متوترة، كأنها تصطدم بجدران الماضي قبل أن تصطدم بأثاث الحاضر.كان يفكر في الصحافة،في خصومه السياسيين،في مستقبله الذي يترنح بين الطموح والخوف. لكن حين التفت إليها، إلى مريم، رأى في عينيها شيئًا لم يتوقعه: مرآة لضميره المدفون، انعكاسًا لذنبٍ لم يبح به لأحد.
قال بصوتٍ متعب، كأنه يهرب من مواجهة نفسه:
«هتفضلي هنا الليلة… الوقت اتأخر.الأوضة اللي هناك نامي فيها،وعندك المطبخ والحمام. تصبحي على خير»
أومأت مريم برأسها كطفلة صغيرة،لكنها لم تستطع أن تمنع عينيها من الترحال.رأته ممددًا على الأريكة،جسده كأنه ينهار ببطء، ثم انجذبت نظراتها إلى النافذة الخلفية. هناك، في الحديقة الغارقة في الظلام،كانت الأرجوحة المتهالكة تتمايل وحدها، حبالها المهترئة تئنّ بصوتٍ خافت، كأنها تبكي. بجوارها، حمام السباحة الفارغ، قاعه متشقق كقلبٍ انفطر، يلمع تحت ضوءٍ باهت كجرحٍ قديم لم يلتئم:
«حضرتك هتنام هنا؟»
لم يجبها مباشرة.عاد بعينيه إلى المنزل الفخم، لكنه بدا فجأة كقبرٍ مزخرف.كل زاوية فيه تحمل غيابًا، كل مصباح يضيء على فراغٍ لا يُحتمل. ثم قال بصوتٍ مبحوح، كأنه يخرج من أعماق بئرٍ مظلم:
«بقالي سنتين النوم متحرم عليا.»
تجمدت مريم في مكانها،قلبها يخفق بعنف. الكلمات لم تكن مجرد اعترافٍ عابر،بل مفتاحًا لبابٍ مغلق منذ زمن. نظرت مرة أخرى إلى الأرجوحة،إلى حمام السباحة، إلى الجدران التي تئنّ بالصمت، وفجأة رأت الحقيقة تتكشف أمامها ككابوسٍ حيّ.
البيت لم يكن بيتًا،بل مسرحًا لجريمة صامتة. الأرجوحة التي تبكي كانت آخر ما لعبت عليه ابنته الصغيرة قبل أن تسقط في حمام السباحة.الماء الذي كان يومًا رمزًا للترف تحول إلى قبرٍ بارد، ابتلع ضحكتها إلى الأبد. وزوجته، التي لم تحتمل الفقد، تركت له رسالة قصيرة قبل أن تنهي حياتها بنفسها، تاركة وراءها صدىً لا ينطفئ.الصدمة اجتاحت مريم كعاصفة.شعرت أن الهواء في الغرفة أثقل من أن يُتنفس،وأن كل قطعة أثاث تحمل دمعةً مخفية. باشا الصغير لم يكن مجرد رجلٍ سياسي،بل رجلٌ محطم، يحمل داخله مقبرةً كاملة.
اقتربت منه، لكن خطواتها كانت مترددة، كأنها تخشى أن تلمس جرحًا ينزف منذ سنوات. هو لم ينظر إليها، بل ظل يحدق في السقف، كأن النوم الذي حُرم منه سنتين لن يعود أبدًا.في تلك اللحظة، أدركت مريم أن وجودها هنا لم يكن صدفة.البيت نفسه أراد أن يبوح،أن يكشف سره المدفون.والسر كان أكبر من أي خصومة سياسية أو مستقبلٍ غامض: كان موتًا يطل من كل زاوية،وحزنًا لا يزول.
ـ
كانت صافي جالسة في زاوية الصالة الواسعة،على أريكة،تتكئ برفق على ذراعها، وكأنها تحاول أن تُخفي نفسها بين ثنايا الظلال الخافتة التي يلقيها ضوء المصباح العتيق.عيناها اللامعتان،تلك العينان السوداوان اللتين تخفيان تحت هدبيهما الطويلتين بريقًا من الفضول المكبوت،كانتا تتبعان سليم بإمعانٍ لا إرادي.كان هو،كعادته، مركز الدائرة التي شكّلها أشقاؤه الأربعة حوله،كان سليم يجلس متربعًا على الأرض، ظهره مستندًا إلى الأريكة المقابلة لها،يرتدي قميصًا أبيض مفتوح الأزرار العلوية،يكشف عن صدرٍ عريضٍ مشدود،وكأنه لا يبالي،برودة الطقس في الخارج،يتحدث بصوته الجهوري المتهكم،يلقي كلماته كالسهام،وقحةً جريئةً لا تعرف الحدود،لكنها تحمل في طياتها سحرًا غريبًا يجعل الجميع يستمتعون:
«قضية بكرة قضية شرف قتل العروسة كان مفكرها مش بنت بنوت شكله كده قفل معرفش ينشل»
قال سليم ضاحكًا،وهو يلعق شفتيه السفلى ببطء متعمد، عيناه تلمعان ببريق التحدي.
انفجر أشقاؤه الأربعة في الضحك،بينما احمرّ وجه يوسف وصرخ محاولا إخفاء ارتباكه:
«ما تبطل سفالة»
لكن سليم لم يتراجع،بل انحنى قليلاً إلى الأمام،يمسك كوب القهوة بين أصابعه الطويلة،ويرفعه إلى شفتيه،يرتشف رشفة بطيئة وهو ينظر إلى يوسف من فوق حافة الكوب:
«عارف أنت عايز أيه يا شيخ يوسف عايز واحدة جريئة تخليك تشوف الدنيا»
قذف يوسف وسادة نحوه،فاصطادتها يد سليم في الهواء بمهارة،ثم رماها جانبًا وضحك ضحكة وقحة ملأت الغرفة:
«أموت أنا في بيتكسف»
في تلك اللحظة،لم تستطع صافي أن تمسك نفسها.ارتجفت شفتاها،رفعت كفها الأيسر لتغطي فمها،ثم انفجر صوتها المرح الرقيق:
«سافل!»
كانت الكلمة وقحة،لكنها خرجت منها بطريقةٍ مرحة،تحمل إعجابًا خفيًا،كأنها تعترف بهزيمتها أمام جرأته.التفت سليم إليها فجأة، لأول مرة منذ ساعات،عيناه تلتقيان بعينيها مباشرة.كان هناك خيط كهربائي بينهما، شرارة لم يتوقعها أحد.ابتسم ابتسامة جانبية تلك الابتسامة التي تكشف عن أسنانه البيضاء وتجعله يبدو أكثر خطورة وجاذبية في آن واحد .
توقف الضحك فجأة ثم نظروا جميعهم بدهشة إلى كارين..احمرّ وجه صافي فجأة، شعرت بحرارة تصعد إلى خديها،لكنها لم تطأطئ رأسها.بدلاً من ذلك،رفعت ذقنها قليلاً، ونظرت إليها تحاول أن تخفي تحتها خفقان قلبها المتسارع:
«صافي بتعملي أيه هنا»
أشقاؤه الأربعة بدأوا يتهامسون ويضحكون،بينما سليم يهز رأسه مستنكرًا، في تلك اللحظة،تشتعل بينهما النظرات كالنار تحت الرماد،تنتظر شرارة واحدة لتنفجر
كانت الغرفة تغرق في صمت ثقيل،لا يُسمع سوى خشخشة القلم بين أصابع سليم وهو يخط آخر جملة في مرافعته.بدا وكأنه يحاول أن يختبئ خلف الكلمات،أن يضع بين السطور جداراً يمنع الآخرين من التسلل إلى داخله.لكن عينَي صافي، اللامعتين بالترقب، لم تمنحاه فرصة الهروب.كانت تتابعه بصمت، نظراتها تتنقل بين حركات يده المرتجفة وملامح وجهه التي أخذت تفقد بريقها شيئاً فشيئاً،حتى غدت فارغة تحمل اليأس.
كارين،التقطت تلك الشرارة الخفية.رأت كيف تتجول نظرات ابنتها على وجه سليم،وكيف ينهار صموده أمامها.تساءلت في نفسها: هل وصل الأمر إلى هذا الحد؟هل ابنتها تعشقه فعلاً؟ لم تحتمل أن ترى الخيوط تتشابك أمامها دون أن تتدخل:
«الوقت اتأخر.»
صافي،رغم اعتراض قلبها،أطاعت الأمر.لكنها تركت وراءها صمتاً مشحوناً،كأنها زرعت في الغرفة سؤالاً لم يُطرح بعد.بقيت كارين والجو يزداد ثقلاً، كأن الجدران نفسها تنتظر ما سيحدث.اقتربت منه بخطوات بطيئة، تحمل في كل خطوة مزيجاً من الحزن والفضول.أرادت أن تنتزع اعترافاً،أن تسمع منه ما لم تجرؤ ابنتها على قوله.نظرت إليه مباشرة وقالت بنبرة تحمل اختباراً:
«أنت ناسية أن سيف جاية بكرة.»
الكلمات كانت كالسهم.اخترقت دفاعاته، فانهارت قوته فجأة.سقط القلم من بين أصابعه،ارتطم بالأرض بجانب الأوراق المتناثرة،كأنه إعلان هزيمة.وقف سليم بسرعة،كمن يحاول أن يهرب من مواجهة لا يملك لها سلاحاً،وغادر الغرفة متجهاً إلى غرفة نومه دون أن ينطق بكلمة.
كارين،بقيت واقفة،تحدق في الباب الذي أغلق خلفه.في تلك اللحظة،أدركت أن حديث صخر وجيهان لم يكن مجرد ثرثرة عابرة.أصبح لديها الآن دليل قاطع،ملموس،أن هناك شيئاً أكبر من مجرد نظرات أو صدفة.شيء يربط سليم بابنتها، شيء لا يمكن إنكاره.
ـ
كانت أجواء الفندق الصاخبة تعجّ بالهمسات والخطوات،لكن صوت لميس،اخترق كصاعقة باردة:«أنا عايزة أرجع لندن!»
،دوّت كلماتها في بهو الغرفة،تحمل بين طياتها مرارة رفضٍ لم تكن مياسين مستعدة لتحملها: «عيلة بابا مش معترفة بينا»
أضافت لميس،وعيناها تحملان جرحاً عميقاً من نظرات الاستنكار التي تلقوها للتو:
«أيه سبب وجودنا هنا»
تنهدت مياسين بعمق،محاولةً أن تتماسك أمام هذا الانهيار العاطفي: «لما النتيجة تطلع ويتأكدوا أنكم بنات كريم الأول.»
قالت بصوت خافت،محاولةً التمسك بخيط أمل رفيع،خيط الحمض النووي الذي قد يثبت نسبهم ويمنحهم مكاناً في عالمٍ يبدو أنه يرفضهم.لكن لميس كانت قد اتخذت قرارها. حملت حقيبتها على ظهرها،إشارةً قاطعة لنهاية الحديث، لنهاية الانتظار، لنهاية الأمل. «خليكم هنا أنا هرجع لوحدي»
قالت ببرود مصطنع، قلب مياسين انقبض ألماً.فتحت الباب وركضت،وكأنها تهرب من قدرها، أو ربما تبحث عن قدر آخر في مكان بعيد: «هتروحي فين؟ أنا مش عارفة أي مكان في إسكندرية!»
صاحت مياسين،تتبعها بلهفة وقلق،خطواتها المتعثرة تكاد لا تواكب سرعة لميس.تبعتها سارة وزهرة، شقيقتا لميس الصغيرتان، وهما تصرخان بقلبٍ يرتجف: «لميس استني! مينفعش ترجعي لوحدك!».
غادرت لميس الفندق،تاركةً خلفها صدى قلقٍ يمزق قلب أم.ركضت مياسين خلفها حافية، غير آبهة بنظرات العمال والنزلاء الفضوليين الذين بدأوا يتجمعون، يتهامسون، وكأنهم يشاهدون مسرحية حزينة. «لميس!»، هتفت مياسين بقلة حيلة،صوتها يخالطه اليأس.
سقطت أرضاً، منهكة من الركض والقلق والخوف.سارعت سارة وزهرة لمساعدتها على النهوض،وعيناهما تدمعان خوفاً على أختهما وأمهما. «نروح القسم نعمل بلاغ.»، قالت سارة،محاولةً إيجاد حل في هذا الموقف العصيب.هبت مياسين واقفة على قدميها،لم يعد هناك مجال للضعف أو اليأس. عيناها تشتعلان بعزيمة الأم التي لا تعرف الاستسلام. «محدش هيرجعها غير عمها صخر!»، هتفت مياسين، وكأنها وجدت بصيص أمل في هذا الظلام، بصيص يربطها بالماضي، وبشخص قد يكون المفتاح الوحيد لعودة ابنتها الضائعة. كانت تعلم في قرارة نفسها أن هذا القرار، مهما كان صعباً، هو السبيل الوحيد لإعادة لميس إلى حضنها، إلى أمان العائلة.
ـ
نهاية الليلة الرابعة عشرة
تعليقات
إرسال تعليق