حارة العاشقين الليلة الثانية عشرة 2026
كان الليل يسدل ستائره السوداء الثقيلة فوق المدينة النائمة،كأن الظلام نفسه يتثاءب ببطء،يبتلع آخر همسات الشوارع وأنفاس البشر المنهكين.في تلك السكينة القاتلة، شعرت "صافي" بثقل يعصر صدرها،ثقل لم يكن من تعب اليوم فحسب،بل من أثقال قرارات لم تعد تفهمها هي نفسها.تنهدت بعمق،ثم أمسكت هاتفها بأصابع مرتجفة قليلا،وأجرت الاتصال بسيف،خطيبها الذي بات يبدو كغريب يطرق باب قلب أغلق منذ زمن.جاء صوته من الطرف الآخر مشحونا بعتاب يقطر ألما مكتوما،كأن كل كلمة تحمل ذكرى خيبة قديمة:
"أخيرا رددت يا صافي..."
تأففت في سرها،وقلبت عينيها بملل لم تخفه، كأنها تتبرأ منه حتى من الهواء الذي يتنفسه. ردت بصوت بارد كالثلج،متعمدة أن تجمد به أي دفء قد يبقى:
"أنا عارفة أني كنت قليلة الذوق معك... لكن قلت أكلمك اعزمك على الغداء في بيت الجبالي. لأننا نقلنا هناك."
في لحظة واحدة،انتعش صوت " سيف" كمن وجد طوق نجاة في بحر من اليأس.رأى في الدعوة بابا خفيا يفضي إلى قلب عائلة الجبالي المنيعة،تلك العائلة التي يحلم باختراق أسوارها،ليس حبا فقط، بل طمعا ينخر روحه.اندفع يقول بحماس لا يخفى:
"فرصة علشان أعزي عمك وجدك."
لكن "صافي" تراجعت فجأة،كأنها تهرب من شبح لا تريد مواجهته. خفضت صوتها، مدعية إعياء يمزقها من الداخل:
"أنا هنام .. اليوم كان طويل."
أغلقت الخط دون وداع،تاركة إياه معلقا في فراغ بارد. أما هو، جالس أمام شاشة الحاسوب في غرفته المعتمة، فكان يعيد مشاهدة فيديوهات متكررة لنهاية مصطفى المصري وكريم الجبالي، عيناه تلمعان ببرود مريب، وشفاهه تهمس بكلمات تقطر سما:
"مضطر أتحمل غرورك وعجرفتك يا صافي... لحد ما أوصل لمستودع الجبالي"
-
في شقة عائلة الجبالي بداخل غرفة المعيشة..
كان الهواء ثقيلا برائحة القهوة المرة والأوراق القانونية المبعثرة بين يدي سليم.اما عن يوسف فكان منغمس هو أيضا بين ملفاته،بينه معقود من تركيز يخفي قلقا أعمق. وورد تراقبه بعيني أم لا تنام، تسأله دائما بنبرة رقيقة تحمل خوفا دفينا:
"صليت العشاء يا يوسف؟"
لكن ذلك الهدوء كان وهما هشا:
"صليت العشاء"
انفجر فجأة صوت نجوى الحاد كالسكاكين، موجها نحو ابنها سليم:
"أنت بتتدخل في كتب كتاب بنت عمك؟"
رفع سليم رأسه ببطء، وعيناه تحملان كبرياء مكسورا، وكرامة تنزف من جرح لا يرى. رد بصوت يرتجف من الغيظ المكبوت:
"مش أنا أبن عمها الكبير؟"
كانت ورد تشاهد المشهد من بعيد، قلبها يعتصر ألما. رأت في عيني سليم نار غيرة تكاد تحرقه حيا، ورأت خيوط حقد تبدأ تنسج مخططا انتقاميا في روحه. نادته بحزم لا يقاوم:
"سليم... تعالي عايزة اتكلم معاك!."
دخل معها، وأغلقت الباب بهدوء ينذر بالعاصفة. أما نجوى فبقيت ملتصقة بالباب من الخارج، تتنفس بصمت، تتسمع بكل كيانها، تبحث عن كلمة واحدة، جملة واحدة، تشعل بها نار التنافس مع ضرتها إلى الأبد.
داخل الصالون، وقفت ورد أمامه كجبل لا يتزعزع، وقالت بصراحة تخترق القلب:
"عزومتك لخطيب صافي مش هيحل الموضوع..أنت كده بتعذب نفسك."
هنا انكسر سليم. ارتجف صوته، وسالت دمعة خائنة من عينه قبل أن يمسحها بعنف:
"يعني عايزاني أعمل أيه؟..."
خلف الباب، رسمت نجوى ابتسامة متعحبة؛ لقد حصلت أخيرا على الدليل الذي طالما بحثت عنه.أما ورد فاستمرت،صوتها ثابت رغم دمعة تلمع في عينيها هي الأخرى:
"أنا عايزاك تبقي تقيل و ياريت متحضرش بكرة."
انتفض سليم كجريح يرفض الاستسلام:
"وشكلي أبقي طلعت عيل صغير؟"
ردت ورد ببرود يخفي حنانا عميقا، وهي تعدل حجابها بهدوء:
"قول أن عندك قضية أو واحدة زميلتك رايح تقابلها."
ضحك سليم ضحكة مرة تقطر سما وحزنا، ورفع ساقه فوق الأخرى بتحد طفولي. لم تتحمل ورد هذا الاستعلاء، فصرخت به فجأة:
"نزلي رجلك أحسن لك!"
ارتبك سليم كطفل في الخامسة، وأنزل قدميه مذعورا. ثم سأله بصوت خافت يرتجف خوفا وحبا:
"ربنا يستر من خططك اللي هتلبسنا في حيط؟"
لم تجب ورد بكلمات. انحنت فقط، وخلعت حذاءها في حركة تهديدية مألوفة من أيام طفولته. فانطلق سليم هاربا نحو الباب، ليصطدم بأمه نجوى التي كانت لا تزال متسمرة مكانها.
نظرت ورد إليها بسخرية مرة، وقالت بصوت يسمعه الجميع:
"أمك بتتصنت كالعادة."
جلست نجوي قبالتها وهتفت بقلة حيلة:
-والحل سليم بيحب صافي
غادر سليم الغرفة، قلبه يغلي بمشاعر متضاربة: حب أبدي لصافي لا يزال يحرقه، وغيرة تكاد تقتله، وحقد يبدأ يتسلل إلى روحه كالسم البطيء. وفي ذلك البيت الذي يجمع تحت سقفه الحب والكراهية، الوفاء والخيانة، كان الجميع ينتظر الانفجار الحتمي... انفجارا سيغير كل شيء، أو ربما سيدمره إلى الأبد.
ـ
في اعماق دار الرعاية لليتيمات حيث يتدلي المصباح الكهربائي عبر نوافذ مشبكة بالحديد الصدئ، كانت الجدران العتيقة تشهد على اسرار دفينة واهات مكتومة تتردد في الظلال. الصخب يعلو في كل ركن من الدار الخانقة، ثرثرة الفتيات تتداخل مع رائحة الطعام الثقيلة التي تخترق الجدران الرطبه، وصوت خطوات المشرفات يرن كانذار دائم يهدد بالعقاب. في وسط هذا الزحام الذي يخنق الارواح، جلست مريم كما كانت تدعى كجمره خفيه تحت رماد السكون، عيناها تحملان نارا لم تنطفئ ابدا رغم السنين الطوال.فجاه انتفضت كشعله هاربه من قيودها الحديديه، اندفعت نحو باب غرفة الاجتماعات بتهور يشبه الجنون الجامح، تاركه خلفها اصواتا مرتبكه تتعالى كعواصف صغيره:
"هننقل الديك العنبر ازاي"
.على الطاولة كانت صينيه فاخره موضوعه بفخر زائف، وفي وسطها ديك رومي مشوي يلمع بطبقه ذهبيه مغريه، رائحته تملأ المكان كوعد كاذب بالرفاهيه التي لا تطال ايدي هؤلاء الفتيات الا نادرا في احلامهن البعيده. همست مريم بنبره دبلوماسية كانها تخطط لعمليه سريه في قلب العدو، لتدخل احداهن بسرعه وتنتزع الغنيمه من فوق الصينيه قبل ان تأتي المشرفه.لم تكد الكلمات تستقر في الهواء حتى انطلقت مريم كالسهم الطائر، اقتحمت الغرفه بقوة الرياح العاتيه،وتسمرت امام الصينيه كالصياد الذي يلقى فريسته. احتضنت الديك الى صدرها بحركه جنونيه مليئه باليأس والشجاعه، ثم رفعت قميصها الواسع لتخفيه في حجرها الدافئ، وخرجت تجري كالبرق والضحكات المكتومه تنفجر خلفها من الفتيات اللواتي يتظاهرن بالبراءه بينما قلوبهن تضخ الفرح الممنوع. لكن القدر كان يتربص في الظلام، شق صوت المشرفه الرواق كالصاعقه المفاجئه:
"كل البنات تجمع هنا"
تجمد الجميع كالتماثيل في لحظة الرعب، دخلت المشرفه الغرفه فجاه لترى مريم جالسه على الأرضية الباردة، والصينيه فارغه امامها، وبقايا اللحم متناثره حول فمها كدليل لا ينكر يشهد على جريمتها الجريئه. شهقت المشرفه بغضب يهز الجدران:
"اكلت الديك كله أعمل فيك أيه"
انفجر غضبها كعاصفه هوجاء تجرف
رفعت مريم راسها ببطء مدروس، عيناها تشتعلان بحقد دفين متراكم عبر السنين، وردت ببرود يقطع نياط القلب:
"كان نفسي فيه من زمان"
تعالت هامه المشرفه بتكبر مقيت يقطر سم الازدراء ثم امرت بحبس مريم في المستودع العتيق كعقاب قاس، ذلك المكان المظلم حيث تتراكم الغبار والذكريات المنسيه،تتسلل في الظلام كالحراس الصامتون..
..في الجانب الاخر من المدينة حيث الحياة المغلافة بالرفاهية المزيفة،كان الباشا الصغير ملقى على اريكته الفاخره، يمسك بهاتفه بيد مرتجفه من الارهاق الذي ينهك جسده:
حفلة أيه أنا بقالي يومين مطبق دماغي هتـنفجر من الصداع
جاء صوت باشا عبر الهاتف ضاحكا بنبره سلطويه لا تقبل الجدال:
"مين اللي قالك أن عايزاك تروح علشان تسهر أنت هتروح تدفع التبرع وتتصور علشان الحملة الإنتخابية"
تمتم باشا الصغير بمراره عميقه:
" يعني دعاية"
اجابه باشا بحسم بارد كالصقيع:
"طبعا علشان الدعاية"
أما في غياهب المستودع الدامس، فكانت مريم تجلس وحيدة على الارض الباردة التي تخترق عظامها، رائحة العفن تزكم انفها والجدران المتشقه تحكي قصصا عن فتيات مررن من هنا وانكسرن كالزجاج تحت الصخور. تناجي خالقها بصوت متهدج يتردد في الفراغ:
"الحل الوحيد أن ألاقي شهادة الميلاد"
خلف الباب كانت النزيلات يتسامرن اصواتهن تتارجح بين السخريه والشفقة المختلطه. قالت احداهن بسخريه لاذعه تقطع القلوب:
"مش عاملة نفسك زعيمة"
لكن مريم ردت عليها بغضب نبيل يشتعل كالنار:
"هخرج من المستودع وانسل الشبشب علي دماغك
ثم طرق المشرف حسين الباب بخفة كالنسيم الوديع:
"طمنيني عليك يا مريم"
وعدت مديرة المآوي المشرف حسين أن تكون مريم من نصيبه لكنها خدعته فقررت أن تبيعها كسلعة لمن يدفع أكثر ..
-
نهاية الليلة الثانية عشرة