حارة العاشقين الليلة الثامنة عشرة 2026

حارة العاشقين الليلة الثامنة عشرة 2026
في صمتٍ مخجل،تاركين الساحة لصدامٍ من نوع آخر.بقيت لميس جالسة في مواجهة يوسف تلاقت نظراتهما كسيوفٍ ترفض الغمد.كان يوسف يرمقها بنظراتٍ تفيض بالاحتقار الممزوج بالمرارة؛ثيابها الجريئة التي تكسر كل أعراف البيت،حليّها الذي يكسو أصابعها كدرع من التباهي،طلاء أظافرها الأسود كليلٍ حزين،وخصلات شعرها التي تمردت بألوانها "الأخضر،الأزرق،الأحمر" لتصيح في وجهه بالتمرد:«في حاجة»لم ينطق يوسف بحرف،لكن صمته كان يصرخ بتقزز غريب من مظهرها الخارجي ،قطع التوتر صوت الحاجة فاطمة،وهي تنادي بحنانٍ«لميس أنتِ مش جعانة أخواتك ناموا من التعب»ارتسمت ابتسامة على شفتي لميس،وقالت:«أنا ما باكلش الأكل ده ممكن أكل بروكلي أو جزر؟»تجمّد قلب الحاجة فاطمة في صدرها سألتها بخوفٍ:«ليه يا بنتي؟أنتِ عيانة؟»هزّت لميس كتفيها بمرحٍ غير مبالٍ:«لأ… أنا نباتية.»شهقت الحاجة فاطمة شهقةً مكتومة،وكأنها سمعت تشخيصًا طبيًا لا اسم له،ثم جرّتها من ذراعها الأيسر وأجلستها أمام طاولة الطعام التي اجتمع حولها الجميع،كأنها تحاصرها بالطبيخ.بينما رفعت ورد عينيها إلى أبنها يوسف وسألته بنبرة فاحصة: «صليت القيام؟»أومأ يوسف برأسه وهو يمد يده اليمني يأخذ الخبز: «صليت القيام،والشفع، والوتر.»التقطت لميس التغيّر المفاجئ في نبرته،حدّقت فيه بدهشة حقيقية وسألته:«هو أنت بتصلي؟»تجاهلها يوسف تمامًا.ملامحها،مكياجها الصارخ،شعرها الملوّن كالببغاء كل ذلك أصابه باشمئزازٍ جعله يشيح بوجهه.شعرت لميس بالخجل وضعت كفها على خدها وكأنها تحتمي بنفسها.
هنا تدخلت صدف ضاحكة:«مش بتاكلي ليه؟ لو فضلتي كده هتختفي هنا في وحوش بتاكل الثلاجة بتشطب كل يوم!»ضحكت لميس،ثم تذكرت شيئًا،وسألت فجأة:«صدف هو اللي في التواليت ده إيه؟»توقفت صدف عن المضغ،رمقتها باستغراب:«الحاجة الفِضّي اللي طالعة من جوه!»ساد الصمت لثانية ثم انفجر الجميع ضحكًا،حتى يوسف نفسه خانته ضحكته.التفتت لميس نحوه مبتسمة،فأنزل رأسه بسرعة وكأنه ضُبط متلبسًا،وأكمل مضغ طعامه في صمتٍ مرتبك.ثم قالت صدف وهي تحاول السيطرة على ضحكها:«ده اسمه شطّاف.»تجهم وجه لميس فجأة،وقالت بتقززٍ صريح:«أنتم عارفين كمية الجراثيم اللي عليه؟!استخدموا مناديل!»ساد الاشمئزاز على الوجوه،وكادت المائدة تتحول إلى ساحة فوضى،لولا أن تدخّل صخر بسرعة،ضاربًا بكفه على الطاولة:«خلاص كله اندهش مش عايز أسمع صوت حد.»ثم التفت إلى لميس بابتسامة دافئة:«لميس يا حبيبتي،الشطّاف ده نضافة شخصية بنستخدمه علشان نشيل بواقي الفضلات من جهاز الإخراج،وبعدها تمسحي بالمناديل زي ما تحبي.غير إن ديننا الإسلامي أمرنا بالطهارة.»استمعت لميس بصمت،لأول مرة دون سخرية.أكد صخر في داخله ظنونه:
ابنة شقيقه الراحل ليست متمردة بل طفلة تائهة،تحتاج احتواءً،وتعليمًا،وقلبًا صبورًا 
«آمال فين شجرة الدر »ارتفعت الضحكات في المجلس حين أطلق صخر لقب "شجرة الدر" على صافي،تلك الفتاة التي لا تترك له فرصة إلا وترد عليه بحدة ولسانٍ مسموم. كان اللقب كالسهم،أصابهم جميعًا في موضع الضحك،لكن خلف الضحكات ظل التوتر يتصاعد كالنار تحت الرماد.جيهان،بعينين نصف جادتين،همست: «في الأوضة قافلة على نفسها».هنا ارتسمت على وجه الحاجة فاطمة علامات القلق،حاجباها ارتفعا عاليًا وهي ترسل إشارة صامتة لحفيدها سليم أن يلتزم مكانه،أن يخفي ارتجاف قلبه عن أعين الآخرين.سليم فهم الرسالة،أومأ برأسه، وأكمل مضغ الطعام ببطء، لكن داخله كان يغلي.ثم قطع الصمت سؤال سليم لوالده، بصوتٍ فيه مزيج من الحيرة والرهبة:«أنت قلت لي عايز مأذون ليه؟» أجابه صخر،بثقة باردة، حك مقدمة أنفه بأبهامه،ثم ارتشف الماء كمن يعلن قرارًا لا رجعة فيه:«كتب كتابك أنت وصافي».كلمات صخر كانت كالقنبلة،انفجرت في وجوههم جميعًا.العيون اتسعت،الأنفاس تعثرت،وكارين لم تحتمل،فهتفت بغلاظة،كمن يواجه خصمًا في ساحة معركة:«إحنا مش شطرنج تحركه زي ما أنت عايز!»لكن صخر لم يهتز،بل أنهى طعامه ببطء،ثم رفع رأسه ببرود وقال:  
«أنا خلصت أكل وكلامي كمان.صدف، لما تخلصي أكل،اعملي لي شاي».  
صدف، وهي تمضغ لقمتها الأخيرة،أجابت بخضوعٍ غريب:«حاضر».كان صوته أشبه بصفعة،لا يترك مجالًا للنقاش.جلسة الطعام التي بدأت هادئة،تحولت فجأة إلى مسرحية مشتعلة.صخر، بوجهه الصارم،التفت نحو ابنه سليم وقال بلهجة لا تحتمل النقاش:«بكرة في جلسة».ثم مسح بنظره وجهي ليلي و ورد،كمن يوزع إنذارات على الحاضرين:  «مش عايزين فضايح في المحكمة زي كل مرة».ورد،التي كانت تبتلع آخر لقمة وكأنها تبتلع شوكة،رفعت حاجبيها وقالت بامتعاض:  
«وأنا عملت إيه؟»لكن صخر لم يمنحها فرصة، إذ ضرب بيده اليمنى على الطاولة ضربة جعلت الأطباق تقفز كأنها تشارك في المشهد،وارتجف الجميع من نبرة صوته التي انقلبت في لحظة:«عملت إيه؟! أنت السبب في طلاق بنتك! فضلت تتخانقي مع أمه لحد ما استفزتيه يطلقها».ورد،وهي تحاول الدفاع عن نفسها،رفعت يدها كمن يرفع راية بيضاء:«أمه يا خويا كلامها مستفز».لكن صخر لم يرحمها،بل أطلق جملته كرصاصة ساخرة:«خليك كده عمالة تخربي على عيالك واحد ورا الثاني».ثم نهض مغادرًا الغرفة متجهًا إلى الحمام،تاركًا وراءه صمتًا مشحونًا بالذهول.ورد،وقد ارتشفت الماء بخوف، نظرت إلى وجه ابنتها ليلي،التي كانت تحاول أن تخفي ارتباكها بابتسامة باهتة،لكن ملامحها خانتها أغلقت باب غرفتها بإحكام، كأنها تغلق على قلبها صندوق أسرار.تمددت على السرير،ساعدها الأيمن خلف رأسها،وعيناها تسبحان في ذكريات رومانسية مع زوجها لحظات دافئة سرعان ما تلطخت بظلال الشجار الدائم بين والدتها ووالدته همست بشفتيها وكأنها تعلن نبوءة:  «بكرة آخر جلسة».لكن القدر كان يخبئ لها مفاجأة أكبر.زوجها أعادها لعصمته قبل انتهاء العدة،باتفاق خفي مع والدها و والده و شقيقها الأكبر.الخبر حين وصل إلى والدته، انفجرت كالقنبلة الصوتية في البيت:«رجعتها بعد كل اللي عملوا فيا؟! أنت إيه معندكش كرامة؟!»أمير،الذي كان يحاول أن يبدو متماسكًا،أدار عينيه نحو والده وقال بجدية تحمل نكهة الندم:«تفتكر أنا غلطان إني رجعتها».والده،الذي كان يقرأ الجورنال وكأنه يختبئ خلفه من قذائف زوجته،رفع حاجبيه عاليًا إعجابًا بموقف ابنه،لكن خوفه من رد فعل زوجته جعله يختار الصمت.رفع الجورنال أعلى، كمن يرفع درعًا في معركة، ودفن نفسه بين السطور.فهم أمير الرسالة ابتسم ابتسامة باهتة،وأكمل مضغ الطعام بينما عقله يركض نحو الغد .. 
-
نهاية الليلة الثامنة عشرة