الليلة الخامسة عشرة 2026
حارة العاشقين الليلة الخامسة عشرة 2026
أغلقت جميع الأبواب في وجهها،فتكاثرت الديون عليها كوحوشٍ كاسرة تنهش ما تبقى من روحها.بين ليلة وضحاها،انقلبت حياتها رأسًا على عقب،سُحقت أحلامها تحت وطأة الواقع القاسي.ها هي فريدة، تجلس في عتمة الغرفة، تتكور على نفسها كطفلة ضائعة. ارتجفت أوصالها حين غمرها الصمت الموحش، لا كهرباء تنير، ولا ماء يروي، ولا حساب في البنك يطمئنها. همست بشفتيها المرتعشتين وكأنها تعلن انهيار عالمها:
«قطعوا الكهربا والمياه… وجمّدوا الحسابات».
تسارعت أنفاسها،وارتعشت أكثر حين انعكس ظل غامض على الحائط،يتراقص مع وهج الحطب المشتعل في المدفأة.ارتفع صوت الحريق الخشبي من المِدفأة الحطبية
كأنّه يتهامس معها،فصرخت بخوفٍ مكتوم:
«مين؟!»
تلفّتت حولها،قلبها يخبط كطائرٍ محبوس،ثم أغمضت عينيها لحظةً وهي تهمس لنفسها
ربما أوهام،ربما الخوف يصنع أشباحه
لكن الظل ظلّ يراقص الجدار، يضاعف ارتجافها، ويجعلها أسيرة حوارٍ داخلي بين عقلٍ يطلب منها الهدوء، وقلبٍ يصرخ بالرهبة.غلبها التعب حتى أوهن عظامها، فطأطأت فريدة رأسها باستسلام مرير، دموع اليأس بللت ملامح وجهها الحزين، تتسرب حارقة كجمرٍ يشتعل في قلبها. لم يكن يتبقى لها سوى خيط رفيع من الأمل، خيطٌ كانت تتشبث به بكل ما أوتيت من قوة، حتى وإن كان هشًا.دلف فراس غرفة المعيشة، يلوح بهاتفه بعصبية، تمامًا بعد أن ضغطت فريدة زر المصباح الكهربائي الذي لم يضئ. في تلك اللحظة، رفعت عينيها إليه، وبدلًا من اليأس الذي كان يملأهما، لاح بريقٌ خافت من البراءة في ابتسامة خافتة ارتسمت على شفتيها المرتجفتين، بينما انهمرت دموعها اليائسة بلا هوادة. "قطعوا المياه والكهرباء، وجمدوا حساباتي في البنك" همست كلماتها بصعوبة، وكأن كل حرفٍ يمزق أحشائها.أطلق فراس تنهيدة طويلة،عميقة،كأنها تعلن عن مدى استيائه، ليس منها، بل من قسوة العالم الذي يحيط بهما.اقترب منها ببطء، وفي تلك اللحظة، شعرت فريدة بكفيه المرتجفين يمسحان دموعها اليائسة، لم يكن المسح مجرد لمسة عابرة، بل كان حديث غير منطوق بأنها ليست وحدها في هذا الظلام الدامس. رفعت فريدة نظرها إليه، التقت عيناهما في صمتٍ يحمل أعمق الكلمات، تحدٍ جريء للصعاب، ووعدٌ بالصمود ها هي اللحظة التي تقاطعت فيها طرقهما، كأن القدر أراد أن يضعهما وجهاً لوجه في امتحان جديد. فراس، بعينيه المتقدتين،اقترب منها بصوتٍ خافت لكنه حاد، كأنه يطرق أبواب قلبها المغلق:«مدام فريدة… عايز أتكلم معاك».
كأنها تبحث عن مهرب في عقارب الوقت
محاولة أن تُخفي ارتباكها خلف انشغالٍ مصطنع:«مفيش كلام يتقال أنا لميت كل حاجة تخصني المزرعة بقيت ملك للبنك».
لكن فراس لم يتراجع، بل ألقى بكلماته كرصاصةٍ مباشرة في صدرها:
«أنا سددت القرض للبنك و المزرعة بقيت ملك ليا».
أطلقت نظرةً متكبرة تحمل خليطاً من الكبرياء والإنكار: «يعني عايز تقولي اتفضلي برة؟».
ابتسم ابتسامةً باهتة، ثم مال برأسه قليلاً وهو يعلن خطته ببرودٍ محسوب:
«ممكن تأجريها مني».
ارتجفت أنفاسها، وضعت خصلات شعرها خلف أذنها محاولةً أن تستعيد توازنها، ثم حركت جسدها من فوق الكرسي الهزاز وهي تهمس بسخريةٍ ممزوجة بالخذلان:
«بعد ما كانت ملكي،أأجرها منك؟ أنت أكيد بتهزر».
اقترب أكثر، أنزل رأسه إلى مستوي جلستها، فالتقت عيناه بعينيها في لحظةٍ مشحونة بالحيرة والاحتمالات:
«أنتِ مهندسة زراعية… ممكن تشتغلي في الأرض وتستفيدي منها».
هنا توقفت يدها عن حركة الكرسي الهزاز، كأن الزمن تجمد للحظة. كان العرض أمامها أشبه بطوق نجاة، لكنها تعلم أن قبول المال من غريب يعني انكساراً لا يُحتمل، وأن كشف ضائقتها أمام الناس سيجعلها مادةً للشماتة. رفعت رأسها أخيراً، وصوتها يخرج متردداً لكنه حاسم:
«موافقة… لكن بشرط. محدش يعرف إني بشتغل في الأرض ولا مأجرها منك».
أومأ فراس برأسه، ثم ابتسم ابتسامةً ساخرة وهو يغمغم:
«طبعاً… علشان بريستيجك».
شعرت أن سخريته تكشف هشاشتها، وأنه يعرّي خوفها من كلام الجيران. حاولت أن تدافع عن نفسها، لكن كلماته خرجت تحمل الثقة: «الناس مش هتأكلك ولا تشربك وكلامهم تحت جزمتك».
ارتعشت أهدابها، التفتت برأسها يميناً لتواجهه بعينيه، كأنها تستجديه أن يحفظ سرها: «أنا مش عايزة حد يعرف… من فضلك».
كان الغبار يتطاير في القاعة الكبيرة للمزرعة التي أصبحت خاوية وموحشة بعد بيع آخر قطعة أثاث فيها جلست 'فريدة' شاحبة ومحطمة،تحدق في الفراغ الذي خلفته
ثم انفتح البوس الكبير فجأة على مصراعيه، وعلى غير توقع،دخلت 'سهير' وقد ارتدت ملابس مبهرجة،تتبعها مجموعة من الصديقات والأصدقاء يضحكون ويتهامسون ثم سارت بخطوات متباهية حتى توقفت أمام 'فريدة' وابتسامة صفراء تعلو شفتيها ونظرة انتصار لئيمة تلمع في عينيها ثم مدت يديها بحركة مسرحية درامية تحمل قدراً هائلاً من السخرية:«كنت مسافرة،لكن قلت إزاي أفوت عليا فرصة إنك بتبيعي المزرعة ده أنا حتى سمعت إنك بتبيعي هدومك فقلت أجيب الشلّة كلها ونحتفل بالمناسبة دي»
كانت كلماتها القاسية تسحق ما تبقى من كبرياء 'فريدة' لم تكن سخرية بل كان إعلان احتفالي لانهيارها ليشهدوا الجميع تفاصيل هذا السقوط المؤلم ،ليظهر على وجهه 'فراس' مسحة من الحزن والجدية:
«مش تبارك لنا يا سهير هنتجوز»
كانت تعج الهمهمات المتوترة بين الحضور وفريدة التي رفعت عينيها لتقابله بصدمة
فطلب منها تأجيل التفسير في وقت لاحق لأسباب قهرية،فأصبحت 'سهير' هي أكبر مزحة في تلك اللحظة:
«المعازيم اللي عزمتهم علي كتب كتابنا»
ـ
في زاوية الغرفة،جلست كارين مثقلة بالهموم، وعيناها تلمعان بدموع لم تجد مأوىً غير كفيها المرتجفين.التفتت إلى ابنتها جيهان،وصوتها يخرج مبحوحًا كأنّه اعتراف يائس: «صافي أتغيّرت يا جيهان ابتسامتها مبقتش تفارقها سليم هو السبب،بعد ما كانت عدوانية».
شهقت كارين،كأنّ الكلمات تخنقها،ثم أردفت بمرارة: «اعمل أيه؟ صافي مخطوبة،وقلبها عند سليم.».
ساد الصمت بينهما، صمت مثقل بالأسئلة
ابتسامة صافي البريئة تحوم في الذاكرة كطيفٍ يثير الحيرة والوجع معًا.
ـ
في أعماق مستودع العائلة القديم،كان الزمن يبدو متوقفًا.المصباح الوحيد المعلق من السقف العتيق يتأرجح ببطء، يرسم ظلالاً طويلة مشوهة على الجدران المشققة، كأن أرواح الأجداد تتجول في صمتٍ ثقيل.
جلس صخر خلف مكتبه الضخم المصنوع من خشب السدر، ذلك المكتب الذي شهد عقوداً من جلسات الصلح والجنازات الصامتة. وجهه يحمل آثار سنوات طويلة من الصراع، وعيناه الغائرتان تحملان نظرة رجلٍ لم يعد يملك ما يخسره سوى ما تبقى من العائلة أمامه،جلست لميس على كرسيٍ خشبي ظهرها مشدود كالوتر،كتفاها مرفوعتان في تحدٍ صارخ،وذراعاها متشابكتان فوق صدرها كدرعٍ هش.خلفها، في صفٍ صامتٍ كالحراس الخفيين، وقف أبناء صخر الخمسة.أعينهم تتحرك بحذر بين لميس ووالدهم، لا يتجرأ أحد منهم على الكلام، لكنهم حاضرون بحضورٍ ثقيل يملأ الغرفة.فجأة،انفتح الباب المتهالك بصريرٍ خفيف،ودخل الحاج صالح بخطواتٍ بطيئة واثقة.كان الرجل السبعيني يحمل في يده ظرفاً أبيض طويلاً،مغلقاً بلاصق رفيع.توقف لحظة عند العتبة، يتأمل المشهد بعينين تعرفان معنى الصمت قبل الكلام.ثم تقدم بهدوء حتى وقف بجوار مكتب صخر.
لميس، التي كانت قد سمعت خطواته من بعيد، رفعت رأسها بسرعة. عيناها تلمعان بمزيجٍ من الغضب والترقب.كانت قد هربت من الفندق قبل ساعاتٍ قليلة فقط، متسللةً في جنح الظلام،حاملةً حقيبتها الصغيرة وحلمها بالرحيل النهائي. وصلت إلى المطار وهي تلهث، قلبها يخفق خوفاً من أن يُكتشف أمرها. لكن قبل أن تتمكن من تسليم جواز سفرها، ظهر صخر كالشبح، أوقفها بهدوءٍ حازم،وأعادها إلى هنا.. إلى هذا المستودع الذي كانت تظنه قد أغلق أبوابه عليها إلى الأبد.نظرت لميس إلى الحاج صالح، ثم إلى صخر، صوتها يخرج حاداً كشفرة:
«أنا مش فاهمة أنت عايز مني ايه منعتني من السفر أنك مسؤول عني وأن قاصر مين عطاك الحق أنك تقرر عني.»
نفث الحاج صالح دخان لفافة التبغ، كأنه يستمد منه قوةً لم يعد يملكها بينما شبك صخر أصابعه فوق سطح المكتب حتى ابيضّت مفاصله، ثم رفع عينيه إليها بثقلٍ مؤلم:
«مستعجلة ليه يا لميس؟»
الصمت الذي تبع كلماته كان أثقل من أي صراخ.هبت لميس واقفة فجأة،الكرسي يصدر صريراً احتجاجياً خلفها.
«لو سمحت عايزة الباسبور و الشنطة!»
نقر صخر بالقلم على الخشب مرتين، صوتٌ خفيف لكنه قطع الصمت كسكينٍ باردة.رفع بصره إليها أخيراً، وعيناه محمرتان من السهر والدموع المكبوتة منذ ثلاثة أيام:
«تحليل الحمض النووي أثبت أنكم الثلاثة بنات كريم»
توقف.ابتلع ريقه بصعوبة، كأن الكلمات تحرق حلقه.
«أمك قلقانة عليك أتصلت بيا قالت أنك هربت.»
ساد صمتٌ عميق، يشبه الفراغ الذي يسبق العاصفة.لميس وقفت متجمدة،شفتاها ترتجفان،عيناها تتسعان ببطء وكأنها تتلقى طعنةً لم تتوقعها:
«مش فارق معايا التحليل»
حرك صخر كفه المفتوح على سطح المكتب كمن يعرض قلباً مكسوراً:
«لكن إحنا فارق معانا أمك امنتني عليكم أنتم الثلاثة.»
التفتت لميس إلى الحاج صالح، الذي كان قد فتح ذراعيه لها بهدوءٍ أبوي.دموعها بدأت تنهمر الآن، صامتةً في البداية، ثم بشهقاتٍ خفيفة.نظرت إلى صخر مرةً أخرى، صوتها يرتجف:
«هو بالعافية مش عايزة أفضل هنا»
تنهد صخر بعمق، صوته مكسور لأول مرة:
«كلامي مش هكرره ثاني هتعيشوا معانا في بيت الجبالي.»
نظر إليها طويلاً، ثم أضاف بصوتٍ خافت:
«مش عايز ميراثكم»
تقدم الحاج صالح خطوة، وضع يده برفق على كتف لميس. نظرت إليه الفتاة، ثم عادت بنظرها إلى صخر. الدموع تسيل على وجنتيها، لكن في عينيها شيءٌ جديد ليس غفراناً بعد، لكن ربما بداية قبولٍ مؤلم.
رفعت ذقنها قليلاً، كما يفعل كريم دائماً، وقالت بصوتٍ واضحٍ رغم الارتجاف:
«انا موافقة كضيفة لكن كعيلة مش هيحصل.»
نظر صخر إليها طويلاً، ثم أومأ برأسه، وكأن ثقلاً هائلاً قد أُزيح عن صدره. لم يقل شيئاً، لكن عيناه، لأول مرة منذ سنوات، لمعتا بشيءٍ يشبه الأمل.
في تلك اللحظة،بدأ المستودع القديم يتنفس من جديد.
والظلال الطويلة بدت أقل قسوة.وفي صمتٍ ثقيلٍ مليءٍ بالوعود المؤجلة، بدأت شظايا مياسين المكسورة تجتمع... ببطء، بألم، لكنها تجتمع.كازت تنتظر إتصال هاتفي من صخر
ـ
نهاية الليلة الخامسة عشرة
تعليقات
إرسال تعليق