اللحظة الخامسة 2026

لحظات أنوثة اللحظة الخامسة 2026
غادر آدم قاعة الشركة بعد انتهاء الجلسة،لكن قلبه بقي معلقاً هناك،في تلك الزاوية حيث جلست كارمن.كانت الصور الأولى قد التقطت،لكنها لم تكن كافية.شعر بأن الكاميرا قد سرقت لحظة من الزمن،لكنها لم تستطع سرقة النظرة التي تبادلاها، تلك النظرة التي كشفت كل شيء دون كلمة.
في الخارج، تحت ضوء الشمس الذي أصبح أكثر دفئاً،وقفت كارمن تنتظره. لم تكن تعرف لماذا فعلت ذلك، لكن قدماها قادتاها إلى الباب قبل أن يغلق. شعرها المنسدل يتمايل مع نسمة الصباح، وثوبها الخفيف يلتصق بجسدها كأنه يحتضن سراً جديداً. لم تكن تلك الكارمن التي يعرفها العالم – كرم، الرجل القوي ذو الصوت الخشن والخطوات الثقيلة.لا،هذه كانت كارمن الحقيقية،الأنثى التي خرجت من قوقعتها،متألقة،مثيرة،جريئة.
اقترب آدم منها ببطء،عيناه تتتبعان منحنيات وجهها التي لم يرها من قبل بهذه الوضوح.دهشة سيطرت عليه،دهشة عميقة تجعله يشعر وكأنه يرى امرأة لأول مرة في حياته. "كارمن..." همس اسمها،كأنه يختبر طعمه على لسانه..
ابتسمت كارمن ابتسامة خجولة لكنها مليئة بالتحدي،عيناها تلمعان بريقاً لم يعرفه آدم إلا في أحلامه.اقتربت منه خطوة،حتى صارا قريبين جداً، يشعران بدفء أنفاس بعضهما..
مدّ آدم يده بلطف، لامس خدها بأطراف أصابعه، كأنه يتحقق من أنها حقيقية.ارتجفت كارمن تحت لمسته،لكنها لم تتراجع. بل على العكس،رفعت يدها ووضعتها فوق يده،تضغط عليها بلطف،تدعوه ليستمر. "آدم" قالت بصوت ناعم، أنثوي، يحمل نغمة إغراء خفية ..
انحنى آدم نحوها،شفتاه تقتربان من شفتيها ببطء مؤلم، يعطيها الوقت لترفض إن أرادت.لكن كارمن لم ترفض.بل أغلقت عينيها،ورفعت وجهها نحوه، مستسلمة لللحظة.التقى شفتاهما في قبلة أولى، جريئة،عميقة،مليئة بالجوع المكبوت. كانت قبلة تكسر كل الحواجز، قبلة تعترف بالرغبة التي اشتعلت في تلك الجلسة.يداه التفّتا حول خصرها، يجذبانها إليه بقوة،يشعران بنعومة جسدها الأنثوي الذي كان مخفياً طويلاً. أما هي، فغرقت أصابعها في شعره، تسحبه أقرب، أعمق، كأنها تفرغ سنوات من الكبت في تلك اللحظة. "آدم..." همست بين القبلات،صوتها مرتعش بالإثارة ..
رفعها آدم بلطف عن الأرض،يحملها بين ذراعيه كأنها كنز ثمين،وهما يضحكان ضحكة خفيفة مليئة بالسعادة والرغبة.توجهوا،بعيداً عن أعين المدينة، حيث يمكن للأنوثة أن تتفتح بحرية.في تلك اللحظة،لم يكن آدم مجرد موظف أرشيف ولا كارمن مجرد مدير مكتب.كانا عشيقين، يبدآن رحلة جريئة مليئة بالعواطف الجامحة،حيث الجسد يتحدث بلغة أصدق من الكلمات،والحب يولد من رماد الماضي.الشمس كانت تشهد على اشتعالهما،والهواء يحمل وعداً بمزيد من اللحظات... لحظات أنوثة لا تنتهي.
هنا استيقظت كارمن من نومها على صمتٍ ثقيل يملأ الغرفة،ذلك الصمت الذي يذكّرها كل صباح بأنها وحيدة،كما اعتادت أن تكون.لم يكن في البيت سوى صدى أنفاسها،وذاك الشعور الملتصق بالروح كظلٍ لا ينفك عنها.  
أما آدم،فقد كان يقف أمام الكاميرا في غرفة المعيشة،يلتقط لنفسه لقطات تدريبية،يحاول أن يثبت أنه قادر على أن يكون أكثر من مجرد هاوٍ. التوتر ينهش قلبه،والعرق يتصبب من جبينه.كان يتساءل: هل ستقبله الوكالة كمصور فوتوغرافي؟ تلك الوكالة التي تديرها امرأة لعوب،صوتها يرن في رأسه كجرس إنذار،يختلط مع صوت والده الذي لا يكف عن معايرته بفشله،مما جعله يصرّ على خوض تجربة الأداء مهما كان الثمن.  
في الحمام،وقف آدم وكارمن أمام المرآة،يفرشان أسنانهما في صمتٍ متزامن،كأنهما انعكاسان لوجهٍ واحد، في بيتٍ واحد،وحياةٍ واحدة.نظرت كارمن إلى نفسها في المرآة،وسألت بصوتٍ داخلي مرتجف:هل ستوفق في تلك المقابلة؟هل ستُفتح لها أبواب الوكالة أم ستُغلق في وجهها؟  
-كانت الأجواء مشحونة.التفتت سهير،المرأة التي تدير المكان،بجسدها الرشيق على الكرسي، وأطلقت كلماتها بنبرة تحمل الاشمئزاز والاحتقار:  
 "بتخوني يا أمجد مع عيلة صغيرة بعد ما عملتك؟ أنت ناسي نفسك كنت إيه؟ مجرد موديل تافه، نفسك حد يكتشفك!"  
أمجد، الذي كان يقف أمامها،شعر لأول مرة براحة نفسية غريبة،كأنه تحرر من قيودها.لم يعد يخاف من مواجهتها،بل وجد نفسه يبوح بما ظل يخفيه:  
"أنت قوادة يا سهير وهي دي حقيقتك زينب مش هتروح للراعي الفندق."  
كلمات صادمة،كالسيف، شقت الهواء وأصابت كبرياءها في الصميم.ارتجفت سهير،ثم لوّحت بيدها في غضبٍ جامح،تأمره بالخروج:  
"اطلع برة! مش هخلي وكالة واحدة تشغلك. هخليك تشحت في الشوارع أنت وهي!"  
لكن أمجد لم يتوقف،ولم يلتفت إلى تهديداتها. تبعته المرأة التي اختارها،مغادرين الغرفة بخطواتٍ ثابتة،غير مكترثين بالترهات التي تتفوه بها سهير.كان المشهد أشبه بانتصارٍ صغير،لكنه محمّل بوعودٍ كبيرة،وبداية فصل جديد من حياتهما،حيث لا مكان للخوف ولا للابتزاز..

كان الصباح يزحف ببطء على المدينة،يوقظ الأرصفة من سباتها،ويغسل وجوه الناس بضياءٍ باهت.آدم،خرج من بيته متثاقل الخطوات،يحمل حقيبته وكاميرته كمن يحمل قلبه بين يديه.كان يشعر أن اليوم ليس مجرد موعد عمل،بل مواجهة مع نفسه،مع أحلامه التي طالما خبأها تحت غبار الأرشيف.أما كارمن،فقد وقفت أمام المرآة طويلاً، تحدّق في انعكاسها كأنها تراه لأول مرة.نزعت عنها طبقات الفظاظة،وتركت شعرها ينساب بحرية،كأنها تعلن ولادة جديدة.وضعت لمسة خفيفة من أحمر الشفاه،ثم ابتسمت ابتسامةً مرتعشة،كمن يختبر أنوثته بعد غياب طويل.  
حين دخل آدم قاعة الشركة،كان الضوء يتسلل من النوافذ العالية،يرسم خطوطاً ذهبية على الأرض. هناك، في زاوية الغرفة
خرجت كارمن من بيتها،متوترة لكنها متألقة،كأنها زهرة خرجت لتوّها من بين الصخور.فارتجف شيء خفي،لكن ابتسامتها كسرت جدار الحذر 
في الممر الضيق للوكالة،كان آدم يجلس متأملاً جدران المكان،يحاول أن يخفي ارتباكه خلف ابتسامة هادئة.لم يكن مجرد مصور فوتوغرافي عادي؛بدا وكأنه يحمل في ملامحه شيئاً من بريق نجوم هوليوود،ذلك البريق الذي جعل السكرتيرة تظنه في البداية موديلًا جاء ليعرض نفسه،لا ليعرض عدسته.  
داخل المكتب،جلست سهير خلف مكتبها،أصابعها تنقر على لوحة المفاتيح ببطء،وعيناها تلمعان بفضول.حين سمعت اسمه،ارتسمت على شفتيها ابتسامة غامضة،خليط من التسلية والرغبة.كان في داخلها صراع غريب: بين رغبتها في السيطرة على كل شيء داخل الوكالة، وبين انجذابها المفاجئ لهذا الشاب الذي بدا وكأنه يهدد توازنها المعتاد.  
السكرتيرة إيمان، بضحكتها الوقحة، لم تُخفِ تعليقها:  
"شكله كده هيبقى عريس الليلة."  
لكن سهير،التي ضاقت ذرعاً بانتظارها،لوّحت بيدها بعصبية،وأمرت:  
"دخليه بسرعة يا إيمان."  
كارمن دفعت باب الوكالة بخطوات مترددة،كأن الأرض تحتها ليست ثابتة.كانت تحمل في قلبها حلمًا صغيرًا،أن تجد فرصة عمل تحفظ كرامتها وتفتح لها بابًا جديدًا للحياة.لكن عينيها اصطدمتا بجو مشحون،مزيج من الهمس والابتسامات المريبة، فارتجف قلبها.  
آدم،الذي جلس في زاوية المكتب بكاميرته،شعر بالارتباك حين لمحها.في البداية لم يكن يعرفها،لكنه قرأ في ملامحها براءة ممزوجة بخوف، وكأنها تسير نحو مصير لا تدركه.داخله تصارع
كارمن،بعينيها الواسعتين،نظرت حولها تبحث عن أمان،لكنها لم تجد سوى نظرات تفحص باردة. تساءلت في نفسها:هل ستُعامل هنا كسلعة تُعرض وتُباع؟هل حلمها سيتحول إلى قيد؟  
آدم، وهو يراقبها،شعر أن دوره يتجاوز مجرد التقاط الصور.بدا وكأنه يقف على مفترق طرق: إما أن يكون جزءًا من آلة الوكالة التي تبتلع الأحلام، أو أن يحاول أن يكون سندًا،أن يحمي تلك البراءة من أن تُستغل.  
-
نهاية اللحظة الخامسة

تعليقات