حارة العاشقين الليلة التاسعة عشرة 2026

حارة العاشقين الليلة التاسعة عشرة 2026

لم يكن ضغط لميس على زرّ رفع صوت الموسيقى إلا كمن نفخ في نارٍ كامنة،فأوقد في المكان ما كان خامدًا من الحركة،وما كان نائمًا من الشهوة،وما كان مستترًا من الاضطراب،فتقدّمت شقيقتاها خلفها في انتظامٍ لا يخلو من العبث،وكأنهنّ جيشٌ بلا راية،أو طقسٌ بلا عقيدة بينما قهقهت جيهان قهقهة من لا يعنيه أمر العيون التي تراقب ولا القلوب التي تضطرب،وانضمّت إليهنّ لتقف بين سارة وزهرة،فصارت الحلقة مكتملة،وبدأت لميس العدّ: one,two,three عدًّا لو سمعه الزمان لتعثّر في مشيته.ومالت بجسدها ميلًا لو وُزن بالعقل لرجح عليه، فانكشف من صدرها ما لا ينكشف إلا إذا خان الثوب صاحبه أو خانت النيّة الثوب،وهناوهنا فقط ثبت يوسف في مكانه ثبوت الحجر الذي أُودِع فيه السرّ،فلا هو تقدم فكان من أهل المجون،ولا هو تأخر فكان من أهل السلامة، بل أسند ظهره إلى الحائط،وأدخل كفّيه في جيوب بنطاله البيتي،كمن يحبس يديه لئلا تشهد عليه بما في قلبه.وكان يوسف على ما شاع عنه من التزامٍ وطهارةٍ وحسن سمت ابنَ بيئةٍ لا تعرف الرقص إلا في الأعراس،ولا ترى في الجسد إلا عورة أو أمانة،بينما كانت هي ابنة عالمٍ آخر، لا يعتذر عن ضحكه،ولا يستأذن في حركته،ولا يضع للذة سياجًا إلا الملل.ومع ذلك، فإن ابتسامتها العابرة، وحركاتها التي لا تعرف التردّد،وحديثها الذي يخرج كما يدخل،كانت تفعل في يوسف فعل الخمرة في رأس الواعظ؛تضحكه وهو يكره ضحكه،وتستميله وهو يلعن الميل.ثم أعادت الحركة، مائلةً بخصرها ميل من يعرف أثره ولا يبالي،وأطلقت ضحكة رنّانة،فزاد المشهد افتضاحًا حين توقّفت جيهان وقدّمت صافي تلك التي لا تأتي إلا لتُربك ولا تمشي إلا لتُستفز وقد وضعت يديها في جيب سُترتها، وشعرها معقود عقدة لا هي إحكام ولا هي إهمال، دوقالت مازحة: «صافي أستاذة رقص شرقي».فرمتها لميس بنظرة لو قُسّمت على الحاضرين لكفتهم،ووقفت صافي تشدّ الوشاح الأحمر المطرّز وتلفّه حول خصرها لفّ من يعرف أن الألوان تُقال قبل الكلمات.

وما هي إلا لحظة حتى خرج سليم،فوقع بصره على المشهد وقوع السهم في خاصرة المعنى،فتراجع خطوة لا لحياء بل لفضول، وعاد يتابع كأنما يشهد فصلًا من كتابٍ لا يريد أن يفوته،غير شاعر بيوسف الذي لم يرَ لنفسه مخرجًا إلا الهروب،لولا أن استوقفه سليم بنداءٍ لا يُردّ:«يوسف تعالي عايزاك»دخل يوسف غرفة سليم وقلبه يدقّ دقّ من خاف أن يُفتضح أمره قبل أن يفهمه،وجلس سليم يسأله ببرود من عرف الجواب قبل السؤال: «كنت واقف بتعمل إيه؟».فأخذ يوسف يذرع المكان ذهابًا وإيابًا، يفرك كفّيه فرك من يغسل ذنبًا لا يُرى،وقال: «كنت داخل الأوضة وخرجت لما لقيتهم بيرقصوا».فنقر سليم بقلمه على المكتب نقرًا كأنه يعدّ خطايا لا ثواني،ثم قال:«قلت لك هتيجي واحدة تخليك تشوف الدنيا».فأنكر يوسف إنكار من أدرك ولم يعترف، وقال: «مع الصايعة دي؟»،فتبسّم سليم تبسّم من رأى التناقض عاريًا،وسأله:«إنت معجب بها؟».فثار يوسف ثورة الواعظ حين يقترب منه الشك،وقال كلامًا كثيرًا في اللباس، والحياة،والسهر، والشرب،وكأنما كان يحاكمها ليبرّئ نفسه.اقترب سليم وربت على كتفيه، فانحلّ يوسف انحلال عقدةٍ طال شدّها، ووعده بالكتمان،فدمعت عيناه لا حبًا ولا توبة،بل حيرة،إذ أدرك أن التزامه الطويل لم يمنعه من الرغبة المكبوتة،بل علّمها كيف تختبئ.توعّدها بالطرد:«أنا هطردها»فقال سليم،كمن يضع الإصبع على الجرح:«ولما تطردها هتبقي أحسن».أشعل يوسف سيجارة،ونفث دخانها نفث من يخرج ما لا يُقال،وحين سأله سليم عمّا يشعر به حقًّا، أدار وجهه وقال:«عايز أكسر دماغها».ولم يكن ذلك حبًّا ولا كرهًا،بل ذلك الشيء الثالث الذي لا اسم له،والذي إذا سكن القلب أفسد عليه منطقه، وأضحكه من حيث لا يريد، وأبكاه من حيث لا يشعر:«شكلها استفز رجولتك معجب بها و عايزها لك لوحدك لكن بتفكر هي عملت علاقة مع غيري ومع كام واحد ويا تري عذراء و لا لأ»كان حضورها، على غير ما أراد،كالحجر الذي يُلقى في ماءٍ راكد،فاستفزّ في أعماقه رجولةً ظنّها مروّضة، وأيقظ رغبةً حاول طويلاً أن يُسكتها باسم العقل والاحتراس.وجد نفسه ميّالاً إليها ميلاً لا يقرّ به،راغباً أن يحتكرها لنفسه احتكار من يخشى الفقد قبل أن يملك، غير أنّ هذا الميل لم يلبث أن انقلب في صدره صراعاً مريراً؛إذ سرعان ما تسلّل إليه شكّ كثيف،كالدخان، يكدّر صفاء الرغبة ويُلبسها ثوب الريبة.أراد يُحاكمها في خلوته محاكمةً لا شهود لها سوى هواجسه:أكانت قد سبقت إلى غيره؟وكم مرّت من الأيدي قبل يده؟أهي كما يتخيّلها خيالُه حين يرقّ،أم كما يرسمها خوفه حين يقسو؟أسئلةٌ تتناسل في رأسه بلا رحمة،فتجذبه نحوها حيناً،وتدفعه عنها حيناً آخر، حتى بدا له قلبه ساحةً لمعركةٍ صامتة، تتجاذبها الرغبة في الامتلاك ونفورٌ متحفّز من المجهول.وهكذا ظلّ معلّقاً بين نداءٍ داخلي يطالبه بأن يستسلم لما اشتهى، وصوتٍ آخر أشدّ حدّةً يذكّره بأن الكبرياء،إذا جُرح، لا يبرأ بسهولة؛ فكان تأمّله فيها مرآةً لتأمّله في نفسه،وفي ذلك الانقسام الخفيّ الذي يجعل الإنسان،في لحظة واحدة،عاشقاً وقاضياً،راغباً ورافضاً،دون أن يحسم لنفسه أيّ الكفّتين أحقّ بالترجيح:«أنت محتاج لميس هي هتطلع الرغبة المكبوتة و توظفها لمشاعر حب عايز تكسر دماغها تكسر عظمها وأنتم مع بعض في السرير»كان يوسف يصغي إلى كلمات سليم كما يُصغي المرء إلى طرقاتٍ عنيفةٍ على بابٍ داخليٍّ أوصدَه منذ زمن، طرقاتٍ تثير في النفس ضيقًا لا يُعرَف أسبابه على وجه الدقة، فالكلمات،وإن خرجت من فمٍ مستهترٍ لا يعرف للحياء مقامًا،كانت تصيب مواضعَ خفيةً في روحه،مواضع طالما تحاشى لمسها،واعتاد أن يكسوها بتبريراتٍ أخلاقيةٍ متينةٍ ظاهرها الصلابة وباطنها هشٌّ كزجاجٍ قديم.كان سليم يتحدث بجرأةٍ لا تعرف الالتفاف،كمن يقتحم ساحة المعركة بلا درع، يلوّح بأفكاره كما تُلوَّح السكاكين في أيدي السكارى،لا يعبأ بما تُحدثه من جراح، بينما يوسف،في صمته الثقيل،كان يشعر بأن كل كلمةٍ تُلقى إنما تُزاحم في صدره فكرةً كان يخشى الاعتراف بها،فكرةً تتأرجح بين رغبةٍ ملحّةٍ تنبض في دمه نبضًا محمومًا، ونفورٍ متعالٍ ربّاه في نفسه تربيةً قاسية، حتى صار جزءًا من صورته عن ذاته.وحين جاء ذكر الزواج،ذلك الرباط الذي طالما تصوّره يوسف خلاصًا أو قيدًا،لم يدرِ أيهما أقرب، اضطربت في داخله مشاعر متناقضة؛ إذ رأى في الاقتران بها وعدًا بانفراجٍ طال انتظاره،وفي الوقت نفسه تهديدًا صريحًا لما تبقى من يقينه بنفسه، فكيف يجمع المرء بين امرأةٍ يشتهيها حدَّ الوجع، ويخشى منها حدَّ الكراهية، ويعشق صورتها في خياله، ثم يمقتها حين يواجه ظلَّ ماضيها؟وكان سليم، وهو يُلحّ عليه أن يكفّ عن لعب دور القاضي والجلاد،إنما يعري تلك القسوة التي اتخذها يوسف درعًا،قسوةً لم تكن موجهة إليها وحدها،بل إلى نفسه قبل كل شيء؛إذ كان يوسف يعلم في قرارة روحه أن رفضه ليس نقيًّا كما يدّعي،وأن اشمئزازه ليس إلا قناعًا يخفي انجذابًا جارحًا،وأن الكراهية التي يلوّح بها في وجهها ما هي إلا الوجه الآخر لعشقٍ يخشاه، عشقٍ لو اعترف به لانكشفت هشاشته، وسقطت تلك الهيبة التي بناها من صمتٍ وإنكار.وهكذا ظل يوسف جالسًا بين الرغبة والرفض، بين شهوةٍ تريد أن تُعلن نفسها بلا خجل،وعقلٍ يجرّه إلى محكمةٍ لا تنتهي جلساتها، محكمةٍ لا يصدر فيها حكمٌ نهائي،لأن القاضي فيها هو الخصم، والجلاد هو القلب:«البت لميس محظوظة الشيخ يوسف معجب بها عمره ما عرف واحدة وأول مرة بجرب مشاعر الحب هتاخد كل المشاعر لها وحدها»«أنت معجب بصافي؟»هكذا انسلَّ سؤال يوسف،خفيفَ اللفظ،ثقيلَ الأثر،كحجرٍ صغيرٍ أُلقي فجأةً في ماءٍ راكد، فإذا بالدوائر تتسع على غير توقع.فتعثّر لسان سليم،ذلك اللسان الذي لم يكن منذ دقائق إلا سيفًا مشرعًا،يوزّع النصائح توزيع الواثقين، ويستعرض خبراته الغرامية كما يستعرض التاجر بضاعته في سوقٍ صاخب،فإذا به الآن يخذله فجأة،فيقف عند أول الكلمة كما يقف الخطيب المرتبك وقد نسي خطبته عند رؤية الجمهور.أطلق زفيرًا طويلًا،كأن صدره مدخنةٌ عتيقة،خرج معه دخان لفافة التبغ متثاقلاً، يتلوى في الهواء بتكاسلٍ ساخر،وكأنه هو الآخر يبحث عن إجابةٍ أذكى من صاحبها.

حرّك سليم اللفافة بين أصابعه حركةً مسرحية لا تخلو من افتعال، تلك الحركة التي يلجأ إليها المرء حين يفتقر إلى الكلمات فيعوّض عنها بالإيماءات، ثم قال أخيرًا بصوتٍ حاول أن يجعله حكيمًا،فإذا به يخرج أقرب إلى تبريرٍ مرتبك:«و أيه الفايدة جوازنا هيبقي علشان الميراث؟وكاد يوسف يبتسم،دهشةً من هذا الانقلاب العجيب؛فهذا الرجل الذي كان قبل لحظاتٍ يبشّر بالحب الجريء،ويدعو إلى كسر القيود،ويحتقر التردد والحياء،ها هو يقف الآن في الموضع ذاته الذي كان يوبّخه،متحصنًا بالعقل،متذرعًا بالواقع،فارًّا من الاعتراف كما يفرّ الواعظ حين يُسأل عن خطاياه الخاص

-

كان قرعُ البابِ في تلك الساعةِ أقربَ إلى نذيرٍ غامضٍ منه إلى فعلٍ يوميٍّ مألوف؛طرقةٌ واحدةٌ ثقيلة،كأنها جاءت لا لتُستأذن،بل لتُعلن عن قدرٍ قرّر أن يقف على العتبة دون سابق إنذار.فتحت صدف الباب،فانشقّ المشهد أمام عينيها كما تنشقّ الصفحة الأولى من مأساةٍ لم تكن تعلم أنها بطلتها،وارتسمت الدهشة على وجهها ارتسامَ البرق في ليلٍ ساكن، لا لشيءٍ إلا لأن الرجل الواقف أمامها لم يكن يشبه زوّار هذا البيت،لا في هيئته ولا في حضوره؛كان وسيماً إلى حدٍّ أربك المعنى نفسه، أنيقاً بحقٍّ يكاد يستفزّ البرد المتربّص بالجدران،كأن الأناقة قد تجسّدت فجأة وقرّرت أن تزورها في أسوأ لحظات استعدادها.لم تكن تعلم  ويا لسخرية الجهل حين يحمي القلب مؤقتاً أن هذا الرجل هو ذاته الباشا الذي تمّ الاتفاق معه في الخفاء، الباشا الذي وُضعت حياتها على كفّ ميزانه ليُغلق به ثأر أخٍ قتيل، وأن زواجها لم يكن سوى بندٍ باردٍ في معاهدة دمٍ قديمة.حدّقت فيه لحظةً، ثم خرج صوتها متعثّراً،كأن الكلمات تتعلّم المشي للمرة الأولى:«مين حضرتك؟»فأجاب،دون أن يكلّف صوته عناء اللين أو التعريف،بكلمةٍ واحدةٍ سقطت كالحجر في بئرٍ عميق:«باشا».وهكذا جاء ردّ منتظر صخر،مقتضباً،جافّاً،كأنه لا يرى في السؤال إلا إضاعةً لوقتٍ أثقلته الليالي البيضاء.في تلك اللحظة،احمرّ وجهها ثم اصفرّ،لا من الخجل وحده،بل من وعيٍ مباغتٍ بقبح المفارقة؛عينها انزلقت، رغماً عنها،إلى ثيابها البسيطة، إلى تسريحة شعرها الفوضوية التي أفلتت خصلاتها من تحت عقدة الإيشارب،كأنها تشهد عليها أمام هذا الغريب المتأنّق،وتفضح هشاشتها دون رحمة.

قطع تأملها صوته حين سأل، بنبرةٍ لا تعرف الانتظار:«صخر فين؟»لم يمنحها فرصةً لتستجمع شتات نفسها أو لتبحث عن إجابةٍ تليق بالموقف،إذ كان التعب قد نخر جسده، والخمول يثقل جفونه،فهو لم يذق طعم النوم منذ ثلاثة أيام،فجاء حديثه اللاذع ذلك الذي اعتاده من اعتاد السلطة كالقنبلة الموقوتة،نزل على رأسها دون تمهيد،ودون أن يلتفت إلى ما أحدثه من تصدّعٍ في روحها:

«إنتِ الخدامة نادي أي حد من صحاب البيت».في تلك اللحظة،لم تكن الصدمة في كلماته وحدها،بل في المسافة الشاسعة التي انفتحت فجأة بينهما؛مسافةٌ صنعتها الأقدار في ثانيةٍ واحدة،ووقفت صدف في منتصفها، لا تدري أتبكي إهانتها أم ترتجف من ذلك القدر الذي كان يقف أمامها،متجسّداً في رجلٍ أنيقٍ لا يعلم أو لعلّه يعلم  أنه قد طرق باب حياتها،لا باب بيتها فقط.

-

نهاية الليلة التاسعة عشرة